الخطيب الشربيني

628

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وإن كان مشكلا عندنا . وقيل : كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته . وقوله تعالى : إِنَّ سَعْيَكُمْ ، أي : عملكم لَشَتَّى جواب القسم ، والمعنى : إنّ أعمالكم لتختلف ، فعامل للجنة بالطاعة وعامل للنار بالمعصية ، ويجوز أن يكون محذوفا كما قيل في نظائره المتقدّمة ، وشتى : واحده شتيت مثل : مريض ومرضى ، وإنما قيل للمختلف شتى : لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، أي : إنّ عملكم المتباعد بعضه من بعض لشتى ؛ لأنّ بعضه ضلال وبعضه هدى ، أي : فيكم مؤمن وبر وكافر وفاجر ، ومطيع وعاص . وقيل : لشتى ، أي : لمختلف الجزاء ، فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار . وقيل : لمختلف الأخلاق فمنكم راحم وقاس وحليم وطائش وجواد وبخيل قال بعض المفسرين : نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان بن حرب . وروى أبو مالك الأشعري « أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها » « 1 » ، أي : مهلكها . وقوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى ، أي : وقع منه إعطاء على ما حدّدناه له وأمرناه به وَاتَّقى ، أي : ووقعت منه التقوى ، وهي إيجاد الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى تفصيل مبين لتشتيت المساعي . واختلف في الحسنى فقال ابن عباس : أي : بلا إله إلا الله . وقال مجاهد : بالجنة لقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى [ يونس : 26 ] . وقال زيد بن أسلم : الصلاة والزكاة والصوم . فَسَنُيَسِّرُهُ ، أي : نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه لِلْيُسْرى ، أي : لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل فعلها . وقال زيد بن أسلم : لليسرى ، أي : للجنة . قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « ما من نفس منفوسة إلا كتب الله تعالى مدخلها ، فقال القوم : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أمّا من كان من أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ميسر لعمل أهل الشقاوة . ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى » « 2 » . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ، أي : أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه . وَاسْتَغْنى ، أي : طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب ، أو وجده بما زعمت له نفسه الخائنة وظنونه الكاذبة فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى . وَكَذَّبَ ، أي : أوقع التكذيب لمن يستحق التصديق بِالْحُسْنى ، أي : فأنكرها وكان عامدا مع المحسوسات كالبهائم . فَسَنُيَسِّرُهُ ، أي : نهيئه لِلْعُسْرى ، أي : للخلة المؤدية إلى العسرة والشدة كدخول النار .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3517 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 280 ، والدارمي في الطهارة حديث 653 ، وأحمد في المسند 5 / 342 . ( 2 ) أخرجه الترمذي حديث 3344 ، وعبد الرزاق في المصنف 20074 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 580 .