الخطيب الشربيني

623

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يغطيها بظلمته فتغيب وتظلم الآفاق وقيل : الكناية للأرض ، أي : يغشى الدنيا بالظلمة فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور ، وجيء يغشاها مضارعا دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل ؛ إذ لو أتى به ماضيا لكان التركيب إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع . تنبيه : إذا في الثلاثة لمجرّد الظرفية والعامل فيها فعل القسم . وَالسَّماءِ وَما ، أي : ومن بَناها ، أي : خلقها على هذا السقف المحكم . أقسم تعالى بنفسه وبأعظم مخلوقاته . وقوله تعالى : وَالْأَرْضِ ، أي : التي هي فراشكم وَما ، أي : ومن طَحاها ، أي : بسطها وسطحها على الماء كذلك . وكذا قوله تعالى : وَنَفْسٍ ، أي : أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره وَما ، أي : ومن سَوَّاها ، أي : عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها ، وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك . فإن قيل : لم نكرت النفس ؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : أنه يريد نفسا خاصة من بين النفوس ، وهي نفس آدم عليه السلام ، كأنه قال تعالى : وواحدة من النفوس . ثانيهما : أنه يريد كل نفس ، ونكره للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ [ التكوير : 14 ] وإنما أوثرت ما على من فيما ذكر لإرادة الوصفية بما ضمنا وإن لم يوصف بلفظها ؛ إذ المراد أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته ، ولذلك مثلوا بقوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [ النساء : 3 ] وقدّروها بانكحوا الطيب ، وهذا تنفرد به ما دون من . وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم . أقسم الله تعالى بأنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمّل المكلف فيها ويشكر عليها ، لأنّ الذي يقسم الله تعالى به يحصل به روح في القلب فتكون الدواعي إلى تأمّله أقرب . فَأَلْهَمَها ، أي : النفس فُجُورَها وَتَقْواها قال ابن عباس رضي الله عنهما : بين لها الخير والشرّ ، وعنه : علمها الطاعة والمعصية . وعن أبي صالح : عرّفها ما تأتي وما تتقي . وقال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها . وقال ابن زيد : جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور . واختار الزجاج هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان . قال البغوي : وهذا بين أنّ الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه ، أشيء قضي عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم ؟ قلت : بل شيء قضى عليهم ، ومضى عليهم ، فقال : أفلا يكون ظلما ؟ قال : ففزعت منه فزعا شديدا وقلت : إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] فقال لي سدّدك الله إنما سألتك لأختبر عقلك . إنّ رجلا من جهينة أو مزينة أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت به الحجة ، فقال : في شيء قد مضى عليهم ، قال فقلت : ففيم العمل الآن ؟ قال : من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها » . وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى :