الخطيب الشربيني

617

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

125 ] وحرم صيده وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الأرض من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها إنما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها . وَأَنْتَ ، أي : يا أشرف الخلق حِلٌّ ، أي : حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه بِهذَا الْبَلَدِ بأن يحل لك فتقاتل فيه . وقد أنجز الله له هذا الوعد يوم الفتح وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ثم قال : « إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها . فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : إلا الإذخر » « 1 » . ونظير وَأَنْتَ حِلٌّ في معنى الاستقبال قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] ومثله واسع في كلام العرب ، تقول لمن تعده الإكرام والحباء لأنت مكرم محبوّ ، وهو في كلام الله تعالى واسع لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة ، وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال وأنّ تفسيره بالحال محال أنّ السورة بالاتفاق مكية ، وأين الهجرة من وقت نزولها ، فما بال الفتح والجملة اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه . واختلف في قوله تعالى : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ فقال الزمخشري : هو رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ومن ولده أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه ، وحرم أبيه إبراهيم ، ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه . وقال البغويّ : هما آدم وذريّته ، وقيل : كلّ والد وولده . فإن قيل : هلا قيل : ومن ولد ؟ أجيب : بأنّ فيه ما في قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [ آل عمران : 36 ] أي : بأي شيء وضعت يعني ، أي : بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن ، أو أن ما بمعنى من . والذي عليه أكثر المفسرين هما آدم وذريّته ؛ لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم ، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها . ولقد قال الله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] وقيل : هما آدم والصالحون من ذريته ، وأما الطالحون فكأنهم بهائم كما قال تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الفرقان : 44 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ البقرة : 18 ] . والمقسم عليه قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ، أي : الجنس فِي كَبَدٍ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أي : شدّة ونصب ، وعنه أيضا في شدّة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه وسائر أحواله . وعن عكرمة منتصبا في بطن أمّه ، والكبد الاستواء والاستقامة ، فهذا امتنان

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الجنائز باب 76 ، والعلم باب 39 ، والصيد باب 9 ، 10 ، والبيوع باب 28 ، واللقطة باب 7 ، والجزية باب 22 ، والمغازي باب 53 ، والديات باب 8 ، ومسلم في الحج حديث 445 ، 447 ، 448 ، وأبو داود في المناسك باب 89 ، والنسائي في الحج باب 110 ، 120 ، وابن ماجة في المناسك باب 103 وأحمد في المسند 1 / 253 ، 259 ، 316 ، 348 ، 2 / 238 .