الخطيب الشربيني
613
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الكرامة والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته . وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : في عتبة ابن ربيعة . وقيل : أبي بن خلف . فإن قيل : كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقتيره ابتلاء ؟ أجيب : بأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع فالحكمة فيهما واحدة ، ونحوه قوله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] . فإن قيل : هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه كما قال فأكرمه ونعمه ؟ أجيب : بأن البسط إكرام من الله تعالى لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة ، وأما التقتير فليس بإهانة له لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ولكن تركا للكرامة ، وقد يكون المولى مكرما ومهينا وغير مكرم ولا مهين . وإذا أهدى لك زيد هدية قلت : أكرمني بالهدية ، ولا تقول أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد إليك . فإن قيل : قد قال تعالى فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته ثم أنكر قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ وذمّه عليه كما أنكر قوله : أَهانَنِ وذمه عليه ؟ أجيب : بوجهين : أحدهما : إنما أنكر قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ وذمه عليه لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله تعالى عليه وأثبته ، وهو قصده إلى أن الله تعالى أعطاه ما أعطاه إكراما مستحقا ومستوجبا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم كقوله : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] وإنما أعطاه الله تعالى على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ، ولا سابقة مما لا يعتد الله تعالى إلا به ، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها . ثانيهما : أن ينساق الإنكار والذم إلى قوله : رَبِّي أَهانَنِ يعني أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه ، وإذا لم يتفضل عليه يسمي ترك التفضل هوانا وليس بهوان . قال الزمخشري : ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله تعالى : فَأَكْرَمَهُ وقرأ مَا ابْتَلاهُ في الموضعين حمزة بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ، وقرأ رَبِّي أَكْرَمَنِ رَبِّي أَهانَنِ نافع بإثبات الياء فيهما وصلا لا وقفا ، وقرأ البزي بإثباتها فيهما وقفا ووصلا ، وعن أبي عمرو فيهما في الوصل الإثبات والحذف عنه في الوصل أعدل ، والباقون بالحذف وقفا ووصلا . وقرأ ابن عامر فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بتشديد الدال والباقون بتخفيفها ، وهما لغتان معناهما ضيق . وقيل : قدّر بمعنى قتر وقدر أعطاه ما يكفيه . ثم ردّ الله تعالى على من ظن أنّ سعة الرزق إكرام وأنّ الفقر إهانة بقوله تعالى : كَلَّا ، أي : ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر إنما هما بالإطاعة والمعصية ، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك بَلْ لهم فعل أشر من هذا القول وهو أنهم لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ أي : لا يحسنون إليه مع غناهم ، أو لا يعطونه حقه من الميراث . قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف فكان يدفعه فنزلت : وَلا تَحَاضُّونَ أي : يحثون حثا عظيما عَلى طَعامِ ، أي : إطعام الْمِسْكِينِ فيكون اسم مصدر بمعنى الإطعام ، ويجوز أن يكون على حذف مضاف ، أي : على بذل أو على إعطاء ، وفي إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغنيّ في ماله بقدر الزكاة . وَيَأْكُلُونَ على سبيل التجدد والاستمرار التُّراثَ ، أي : الميراث والتاء في التراث بدل من واو لأنه من الوراثة .