الخطيب الشربيني

609

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الشفع تضاد أوصاف المخلوقين من العز والذل ، والقدرة والعجز ، والقوّة والضعف ، والعلم والجهل ، والبصر والعمى . والوتر انفراد صفات الله سبحانه وتعالى عز بلا ذل ، وقدرة بلا عجز ، وقوّة بلا ضعف ، وعلم بلا جهل ، وحياة بلا موت . وعن عكرمة الوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر ، واختاره النحاس وقال هو الذي صح عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيوم عرفة وتر لأنه تاسعها ويوم النحر شفع لأنه عاشرها . وقال ابن الزبير : الشفع الحادي عشر والثاني عشر من أيام منى ، والوتر الثالث عشر . وقال الضحاك : الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة . وقيل : الشفع والوتر آدم عليه السلام كان وترا فشفع بزوجته حوّاء ، حكاه القشيريّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقرأ حمزة والكسائيّ بكسر الواو والباقون بفتحها وهما لغتان الفتح لغة قريش ومن والاها والكسر لغة تميم . وقوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ قسم خامس بعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص أقسم به على العموم ، ومعنى يسر سار وذهب كما قال الله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [ المدثر : 33 ] . وقال قتادة : إذا جاء وأقبل وقيل : معنى يسر ، أي : يسري فيه كما يقال : ليل نائم ونهار صائم ، ومنه قوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ سبأ : 33 ] وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفا ، وأثبتها ابن كثير في الحالين ، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم وإثباتها هو الأصل لأنها لام فعل مضارع مرفوع ، ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل فلأنّ الوقف محل استراحة وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء فقال : الليل لا يسري ولكن يسرى فيه فهو مصروف فلما صرفه تجنبه حظه من الإعراب كقوله تعالى : وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [ مريم : 28 ] ولم يقل بغية ، لأنه صرفه عن باغية وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم والجواب محذوف تقديره : لتعذبن يا كفار مكة بدليل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إلى قوله تعالى : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ وما بينهما اعتراض . وقوله تعالى : هَلْ فِي ذلِكَ ، أي : القسم والمقسم به قَسَمٌ ، أي : حلف أو محلوف لِذِي حِجْرٍ استفهام معناه التقرير ، كقولك : ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت أو المراد منه التأكيد لما أقسم عليه كمن ذكر حجة بالغة ، ثم قال : هل فيما ذكرته حجة والمعنى : إنّ من كان ذا لب علم أنّ ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه ، والحجر العقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما يسمى عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى وحصاة من الإحصاء وهو الضبط . وقال الفراء : يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها . وقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ خطاب للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ولكن المراد به العموم والمراد بالرؤية العلم ، أي : ألم تعلم يا أشرف رسلنا كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ ، أي : المحسن إليك بأنواع النعم بِعادٍ إِرَمَ وهو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام ، ثم إنهم جعلوا لفظ عاد اسما للقبيلة كما يقال لبني هاشم : هاشم ، ولبني تميم : تميم ، ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى ، وإرم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة . فإرم في قوله تعالى : ( عاد ) إِرَمَ عطف بيان لعاد وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة وقيل : إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها . وقوله تعالى : ذاتِ ، أي : صاحبة الْعِمادِ فينظر فيه إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى : أنهم كانوا بدويين أهل عمد وطوال الأجسام