الخطيب الشربيني
603
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
والوقوف حفاة عراة في العرصات في يوم كان مقداره ألف سنة . وقال ابن مسعود : تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل . وقال الحسن : لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له فأعملها وأنصبها في جهنم . وقال ابن عباس : هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى على الكفر ، مثل عبدة الأوثان والرهبان وغيرهم لا يقبل الله تعالى منهم إلا ما كان خالصا له . وعن علي أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : « تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ، وأعمالكم مع أعمالهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » « 1 » الحديث . وقرأ تَصْلى أبو عمرو وشعبة بضم التاء الفوقية على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتحها على تسمية الفاعل ، والضمير على كلتا القراءتين للوجوه . والمعنى : تدخل ناراً حامِيَةً ، أي : شديدة الحرّ قد أحميت وأوقدت مدّة طويلة ، ومنه حمي النّهار بالكسر ، أي : اشتدّ حرّه . وحكى الكسائي اشتدّ حمى الشمس وحموها بمعنى . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أوقد عليها ألف سنة حتى احمرّت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسوّدت فهي سوداء مظلمة » « 2 » . وقيل : المصلى عند العرب أن يحفروا حفيرا فيجمعون فيه جمرا كثيرا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأمّا ما شوي فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور فلا يسمى مصليا . ولما بين تعالى مكانهم ذكر شرابهم فقال تعالى : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ، أي : شديدة الحرارة كقوله تعالى : وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 44 ] متناه في الحرارة . روي أنه لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لأذابتها . ولما ذكر تعالى شرابهم أتبعه بذكر طعامهم فقال تعالى : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قال مجاهد : هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض تسميه قريش الشبرق ، فإذا هاج سموه الضريع ، وهو أخبث طعام وأبشعه . قال الكلبي : لا تقربه دابة إذا يبس . وقال ابن زيد : أمّا في الدنيا فإنّ الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق ، وهو في الآخرة شوك من نار . وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه : « الضريع شيء في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة ، وأشد حرّا من النار » « 3 » قال أبو الدرداء والحسن : « إنّ الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ألف سنة ، ثم يسقون من عين آنية لا هنيئة ولا مريئة ، فلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها فإذا وصل بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] . قال بعض المفسرين : فلما نزلت هذه الآية قال المشركون : إنّ إبلنا لتسمن على الضريع ، وكذبوا في ذلك فإنّ الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا ويسمى شبرقا فإذا يبس لا يأكله شيء . قال أبو ذؤيب يصف حمارا « 4 » : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى * وصار ضريعا بان عنه النحائص
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب حديث 6163 ، ومسلم في الزكاة حديث 1064 ، وأبو داود في السنة حديث 4764 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 169 . ( 2 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 20 / 30 . ( 4 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .