الخطيب الشربيني
599
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
واجب كقوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ويحتمل أن يكون المعنى : أنّ من خشي فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر . ولما بين تعالى من ينتفع بالذكرى بين من لا ينتفع بها بقوله تعالى : وَيَتَجَنَّبُهَا أي : الذكرى أي يتركها جانبا لا يلتفت إليها الْأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ وهو الكافر . فإن قيل : الأشقى يستدعي وجود شقي فكيف قال هذا القسم ؟ أجيب : بأنّ لفظ الأشقى من غير مشاركة كقوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [ الفرقان : 24 ] ، وقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] . قال الرازي : الفرق ثلاثة العارف والمتوقف والمعاند ، فالسعيد هو العارف ، والمتوقف له بعض الشقاوة ، والأشقى هو المعاند . وقال الزمخشري : الأشقى هو الكافر ؛ لأنه أشقى من الفاسق ، أو الذي هو أشقى الكفرة ؛ لتوغله في معاداة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وعقبة بن ربيعة . واختلف في قوله تعالى : الْكُبْرى أي : العظمى على وجوه : أحدها : قال الحسن : هي نار جهنم ، والصغرى نار الدنيا . ثانيها : أنّ في الآخرة نيرانا ودركات متفاضلة ، فكما أنّ الكافر أشقى العصاة فكذلك يصلى أعظم النيران . ثالثها : أنّ النار الكبرى هي النار السفلى فهي نصيب الكفار ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] . فإن قيل : قوله تعالى : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى يقتضي أن ثم حالة غير الحياة والموت ، وذلك غير معقول . أجيب : عن ذلك بوجهين : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه كما قال تعالى : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [ فاطر : 36 ] وهذا جاء على مذهب العرب يقولون للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حيّ ولا هو ميت . ثانيهما : أنّ نفس أحدهم في النار في حلقة لا تخرج فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها فيحيا . تنبيه : قوله تعالى : ثم للتراخي بين الرتب في الشدّة . ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله تعالى أتبعه بالوعد لضدّه فقال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ أي : فاز بكل مراد مَنْ تَزَكَّى أي : تطهر من الكفر بالإيمان ؛ لما روي عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « قد أفلح من تزكى وشهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله » « 1 » . وقيل : تطهر للصلاة وأدّى الزكاة . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ أي : بقلبه ولسانه مكبرا فَصَلَّى أي : الصلوات الخمس . قال الزمخشري : وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة ؛ لأنّ الصلاة معطوفة عليها . وقال قتادة : تزكى : عمل صالحا . وعن عطاء نزلت في صدقة الفطر . قال ابن سيرين : قد أفلح من تزكى ، قال : خرج فصلى بعد ما أدّى زكاة الفطر وصلى صلاة العيد . قال بعضهم : لا أدري ما وجه هذا التأويل فإنّ هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . وأجاب البغوي : بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كقوله تعالى : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 2 ] والسورة مكية وظهر أثر الحل يوم الفتح قال صلى اللّه عليه وسلم : « أحلت لي ساعة من نهار » « 2 » . وقيل :
--> ( 1 ) الحديث أخرجه بنحوه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 137 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1349 ، ومسلم في الحج حديث 1355 ، وأبو داود في المناسك حديث 2017 ، والترمذي في الديات حديث 1406 ، والنسائي في المناسك حديث 2892 .