الخطيب الشربيني

597

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

هداه إلى الخروج من الرحم ، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه ، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض إلى معايشها ومصالحها . يقال : إن الأفعى إذا أتى عليها ألف سنة عميت ، وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح عينيها بورق الرازيانج الغض فيردّ إليها بصرها ، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها ، فتحك بها عينيها فترجع باصرة بإذن الله تعالى . وقيل : فَهَدى أي : دلهم بأفعاله على توحيده ، وكونه عالما قادرا ، والاستدلال بالخلق والهداية معتمد الأنبياء ، قال إبراهيم عليه السلام الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] وقال موسى عليه السلام لفرعون : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] . ولما ذكر سبحانه ما يختص بالناس اتبعه ما يختص بالحيوان فقال تعالى : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى أي : أنبت ما ترعاه الدواب . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المرعى الكلأ الأخضر . فَجَعَلَهُ أي : بعد أطوار من زمن إخراجه بعد خضرته غُثاءً أي : جافا هشيما أَحْوى أي : أسود يابسا . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى أي : أخرجه أحوى أي : أسود من شدّة الخضرة والري فجعله غثاء بعد حويه . وقال ابن زيد : هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولذهاب الدنيا بعد نضارتها . وقوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى بشارة من الله تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم بإعطاء آية بينة ، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمّي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه ، فهو نفي أخبر الله تعالى أنّ نبيه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى . وقيل : نهي ، والألف مزيدة للفاصلة كقوله تعالى : السَّبِيلَا [ الأحزاب : 67 ] أي : فلا تفعله كرامة ، وتكريره لئلا ينساه ، ومنعه مكي لأنه لا ينهى عما ليس باختياره . وأجيب : بأنّ هذا غير لازم ؛ إذ المعنى : النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع . قال الرزاي : وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين . الأوّل : أنه كان رجلا أمّيا فحفظه لهذا الكتاب المطوّل من غير دراسة ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزا . الثاني : أنّ هذه السورة من أول ما نزل بمكة ، فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل ، وقد وقع فكان هذا إخبارا ، فيكون معجزا . وفي المشيئة في قوله تعالى : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي : الملك الذي له الأمر كله وجوه : أحدها : التبرّك بهذه الكلمة كقوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] فكأنه تعالى يقول : إني عالم بجميع المعلومات ، وعالم بعواقب الأمور على التفصيل ، ومع ذلك لا أخبر بوقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة ، فأنت وأمّتك يا أشرف الخلق أولى بها . ثانيها : قال الفرّاء : إنه تعالى ما شاء أن ينسي محمدا صلى اللّه عليه وسلم شيئا ؛ إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى يصيره ناسيا لذلك لقدر عليه كقوله تعالى : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ الإسراء : 86 ] ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك . ونظيره قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ