الخطيب الشربيني

596

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فيها أم لم يرد ، وأما في أحكامه سبحانه فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه بل لمحض المالكية . قال البغوي : ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحد ، لأنّ أحدا لا يقول سبحان الله وسبحان اسم ربنا إنما يقول : سبحان الله وسبحان ربنا . فكان معنى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ا ه . وكون الاسم عين المسمى أو غيره قد ذكرتها في مقدّمتي على البسملة والحمدلة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : سبح أي : صل بأمر ربك . وذهب جماعة من الصحابة والتابعين على أنّ المراد قل : سبحان ربي الأعلى ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال : « سبحان ربي الأعلى » . وعن عقبة بن عامر « أنه لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : 74 ] قال لنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « اجعلوها في ركوعكم . » ولما نزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال : اجعلوها في سجودكم » « 1 » . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول ذلك . وروي « أنّ أوّل من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل » . ولما أمر تعالى بالتسبيح فكأن سائلا قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة فما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ فقال تعالى : الَّذِي خَلَقَ أي : أوجد من العدم فله صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء فَسَوَّى أي : مخلوقه . وقال الرازي : يحتمل أن يريد الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه تعالى ، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوها : أحدها : اعتدال قامته وحسن خلقه ، كما قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] . ثانيها : كل حيوان مستعدّ لنوع واحد من الأعمال فقط ، أمّا الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات . ثالثها : أنه تعالى هيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات . وقال بعضهم : خلق في أصلاب الآباء وسوّى في أرحام الأمّهات . ومن حمله على جميع الحيوانات فمعناه : أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من الآلات والأعضاء ، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية : هو أنه تعالى قادر على كل الممكنات ، عالم بجميع المعلومات ، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفا بالإحكام والإتقان ، مبرّأ عن النقص والاضطراب . وقرأ وَالَّذِي قَدَّرَ الكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد قال البغوي : وهما بمعنى واحد ، أي : أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها وغير ذلك من أحوالها ، فجعل البطش لليد ، والمشي للرجل ، والسمع للأذن ، والبصر للعين ونحو ذلك فَهَدى قال مجاهد : هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراعيها . وقال مقاتل والكلبي : في قوله تعالى : فَهَدى عرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى ، كما قال تعالى في سورة طه : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] أي : الذكر للأنثى . وقال عطاء : جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له . وقيل : قدّر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناسا ، ولمراعيهم إن كانوا وحوشا . وقال السدّي : قدّر مدّة الجنين في الرحم ثم

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود حديث 869 ، وابن ماجة حديث 887 ، وأحمد في المسند 4 / 155 .