الخطيب الشربيني

591

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فعجب أبو طالب فنزلت السورة « 1 » . وقال مجاهد : الثاقب المتوهج ، وجواب القسم . إِنْ كُلُّ نَفْسٍ أي : من الأنفس مطلقا لا سيما نفوس الناس لَمَّا عَلَيْها أي : بخصوصها حافِظٌ وقرأ ابن عامر وعاصم بتشديد الميم والباقون بتخفيفها فعلى تخفيفها تكون مزيدة ، وإن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ، أي : إنه واللام فارقة وعلى تشديدها فإن نافية ، ولما بمعنى إلا . والحافظ : هو المهيمن الرقيب وهو الله تعالى ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً [ الأحزاب : 52 ] ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً [ النساء : 85 ] ، أو ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشرّ . وروى الزمخشري عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب أحدكم عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين اختطفته الشياطين » « 2 » . ولما ذكر تعالى أن على كل نفس حافظا أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في حاله فقال تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ أي : الآنس بنفسه الناظر في عطفه نظر اعتبار في أمره ونشأته الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته فيعمل ليوم الإعادة والجزاء ، ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبته . وقوله تعالى : مِمَّ خُلِقَ استفهام ، أي : من أيّ شيء ، وجوابه . خُلِقَ أي : الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه السلام من تراب وأمّه حوّاء رضي الله تعالى عنها من ضلعه . مِنْ ماءٍ دافِقٍ أي : مدفوق ، فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى : عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] أو دافق على النسب ، أي : ذي دفق أو اندفاق . وقال ابن عطية : يصح أن يكون الماء دافقا ؛ لأنّ بعضه يدفق بعضا أي : يدفعه فمنه دافق ومنه مدفوق ، والدفق الصب أي : مصبوب في الرحم ، ولم يقل تعالى من ماءين فإنه من ماء الرجل وماء المرأة ، لأنّ الولد مخلوق منهما لامتزاجهما في الرحم فصارا كالماء الواحد ، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ أي : للرجل وهو عظام الظهر وَالتَّرائِبِ أي : للمرأة جمع تربية وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة ، وعن عكرمة : الترائب ما بين ثدييها ، وقيل : الترائب التراقي ، وقيل : أضلاع الرجل التي أسفل الصدر . وحكى الزجاج : أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر . وقال ابن عادل جاء في الحديث : « أنّ الولد يخلق من ماء الرجل يخرج من صلبه العظم والعصب ، ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم » « 3 » . وحكى القرطبي : أنّ ماء الرجل ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الأنثيين ، وهذا لا يعارضه قوله تعالى : مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ لأنه ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الأنثيين قال المهدودي : ومن جعل يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة لضمير للإنسان . والضمير في قوله تعالى : إِنَّهُ للخالق المدلول عليه بخلق لأنه معلوم أن لا خالق سواه سبحانه وتعالى وفي الضمير في قوله تعالى : عَلى رَجْعِهِ وجهان أحدهما : أنه ضمير الإنسان

--> ( 1 ) الحديث ذكره البغوي في تفسيره 5 / 238 . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7 / 288 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 3 / 38 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 209 ، والطبراني في المعجم الكبير 7704 . ( 3 ) انظر القرطبي في تفسيره 20 / 6 .