الخطيب الشربيني

587

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وهو مجازيهم عليه . ولما ذكر قصة أصحاب الأخدود أتبعها ما يتفرّع من أحكام الثواب والعقاب فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي : أحرقوهم بالنار ، يقال : فتنت الشيء إذا أحرقته ، والعرب تقول : فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته . ونظيره يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 7 ] . قال الرازي : ويحتمل أن يكون المراد : كلّ من فعل ذلك . قال : وهذا أولى لأنّ اللفظ عامّ والحكم عامّ ، والتخصيص ترك للظاهر من غير دليل . ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان عبر سبحانه بأداة التراخي فقال تعالى : ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا أي : عن كفرهم وعما فعلوا . فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ أي : بكفرهم وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ أي : عذاب إحراقهم المؤمنين في الآخرة ، وقيل : في الدنيا فأحرقتهم كما تقدّم ، ومفهوم الآية أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد ، وذلك يدل على أنّ الله تعالى يقبل التوبة من القاتل المتعمد خلاف ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما . ولما ذكر سبحانه وعيد المجرمين ذكر ما أعدّ للمؤمنين بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي : أقرّوا بالإيمان من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ تحقيقا لإيمانهم لَهُمْ جَنَّاتٌ أي : بساتين تفضلا منه تعالى تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي : تحت غرفها وأسرّتها وجميع أماكنها الْأَنْهارُ يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحرّ الذي صبروا عليه في الدنيا ، ويزول عنهم برؤية ذلك مع خضرة الجنان جميع المضارّ والأحزان . ذلِكَ أي : الأمر العالي الدرجة العظيم البركة الْفَوْزُ أي : الظفر بجميع المطالب الْكَبِيرُ وهو رضا الله تعالى لا دخول الجنة . وقال تعالى : ذلِكَ الْفَوْزُ ولم يقل تلك ، لأنّ ذلك إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول الجنان وتلك إشارة إلى الجنة الواحدة ، وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيا . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 12 إلى 22 ] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ أي : أخذ المحسن إليك المربي لك المدبر لأمرك الجبابرة والظلمة لَشَدِيدٌ كقوله تعالى : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] قال المبرّد : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ جواب القسم ، والبطش هو الأخذ بعنف فإذا وصف بالشدّة فقد تضاعف . ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله تعالى مؤكدا لما له من الإنكار : إِنَّهُ هُوَ أي : وحده يُبْدِئُ أي : يوجد ابتداء أيّ خلق أراد إلى أيّ هيئة أراد وَيُعِيدُ أي : ذلك المخلوق عند البعث . وروى عكرمة قال : عجب الكفار من إحياء الله تعالى الأموات أي : فنزلت . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده عليهم في