الخطيب الشربيني

586

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

إيمانهم شُهُودٌ أي : يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به أو شهود بمعنى حضور ، إذ روي أنّ الله تعالى أنجى المؤمنين الملقين في النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى القاعدين فأحرقتهم . قال الرازي : يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين ، ويمكن أن يكون المراد بهم المقتولين . والمشهور أن المقتولين هم المؤمنون . وروي أن المقتولين هم الجبابرة . روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفرة فأحرقتهم ، ونجّى الله المؤمنين منها سالمين وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدي . وتأوّلوا قوله تعالى : فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ أي : في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ أي : في الدنيا . فإن فسر أصحاب الأخدود بالقاتلين فيكون قوله تعالى : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ دعاء عليهم كقوله تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] وإن فسر بالمقتولين كان المعنى : أنّ المؤمنين قتلوا بالنار فيكون ذلك خبرا لا دعاء . والمقصود من هذه الآية : تثبيت قلوب المؤمنين وإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد . وذكر لهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار ليتأسوا بهذا الغلام في صبره على الأذى والصلب ، وبذل نفسه في إظهار دعوته ودخول الناس في الدين مع صغر سنه ، وكذلك صبر الراهب على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار ، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى . وَما نَقَمُوا أي : وما أنكروا وكرهوا مِنْهُمْ من الخلات وكان ذنبا ونقصا إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا أي : يجدّدوا الإيمان مستمرّين عليه بِاللَّهِ أي : الذي له الكمال كله الْعَزِيزِ في ملكه الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء . الْحَمِيدِ أي : المحيط بجميع صفات الكمال ، فهو يثيب من أطاعه أعظم ثواب وينتقم ممن عصاه بأشدّ العذاب . وهذا استثناء على طريقة قول القائل « 1 » : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب أي : من ضرابها ، والكتائب بالتاء المثناة : جمع كتيبة وهي الجيش ، وقال ابن الرقيات « 2 » : ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا ونظيره قوله تعالى : هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [ المائدة : 59 ] . ولما ذكر تعالى الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد ، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه ، حميدا منعما يجب الحمد على نعمه ، ويرجى ثوابه قرر ذلك بقوله تعالى : الَّذِي لَهُ أي : خاصة مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : على جهة العموم مطلقا ، فكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له تقديرا ، لأنّ ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغيّ ، وإنّ الناقمين أهل لانتقام الله تعالى منهم بعذاب لا يعدله عذاب . وَاللَّهُ الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فلا يغيب عنه شيء ، وهذا لأنّ الله علم ما فعلوا

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 44 ، والأزهية ص 180 ، وإصلاح المنطق ص 24 ، وخزانة الأدب 3 / 327 ، والدرر 3 / 173 ، وشرح شواهد المغني ص 349 ، والكتاب 2 / 326 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( قرع ) ، ( فلل ) . ( 2 ) البيت من المنسرح ، وهو لابن قيس الرقيات في ديوانه ص 4 ، ولسان العرب ( نقم ) ، وتهذيب اللغة 9 / 202 ، والبيان والتبيين 3 / 361 ، وطبقات فحول الشعراء ص 654 ، وتاج العروس ( نقم ) .