الخطيب الشربيني

584

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فصعدوا به الجبل ، فقال : اللهمّ اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ، فذهبوا به فقال : اللهمّ اكفنيهم بما شئت فانكفأت السفينة بهم فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى . فقال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل : باسم الله رب الغلام ، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ووضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : باسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات . فقال الناس : آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام ثلاثا ، فأتي الملك فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس ، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فحدت وأضرم النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها . أو قيل له : اقتحم ، قال : ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها ، فقال الصبي : يا أمّاه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت » « 1 » . قال البغوي : هذا حديث صحيح . وقيل : إنّ الصبي قال لها : قعي ولا تقاعسي . وقيل : ما هي إلا غميضة فصبرت . وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أنّ رجلا كان قد بقي على دين عيسى ، فوقع على نجران فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير ، وخيرهم بين النار واليهودية ، فأبوا عليه فخدّ الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفا في الأخاديد . وقيل : سبعين ألفا . ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هاربا واقتحم البحر بفرسه فغرق . قال الكلبي : وذو نواس قتل عبد الله بن التامر رضي الله عنه . وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خربة احترقت في زمن عمر فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه ، إذا أميطت يده عنها أنبعت دما وإذا تركت ارتدّت مكانها ، وفي يده خاتم من حديد فيه : ربي الله . فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه . وعن ابن عباس قال : كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل في الفترة قبل أن يولد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بسبعين سنة ، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تأمر ، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ، ولم يجد بدّا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم ، وكان في طريقه راهب حسن الصوت فأعجبه ذلك ، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب إلى أن قال الغلام للملك : إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول . قال : فكيف أقتلك ؟ قال : تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم على اسم إلهي ، ففعل الملك فقتله فقال الناس : لا إله إلا إله ، عبد الله بن التامر لا دين إلا دينه ، فغضب الملك وأغلق باب المدينة ، وأخذ أفواه السكك وأخدّ أخدودا وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا ، فمن رجع عن الإسلام تركه ، ومن قال : ديني دين عبد الله بن تأمر ألقاه في الأخدود وأحرقه ، وكان في مملكته امرأة فأسلمت فيمن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 3005 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 2340 .