الخطيب الشربيني

571

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وعن البراء قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « سجين أسفل سبع أرضين وعليون في السماء السابعة تحت العرش » « 1 » . وقال الكلبي : هو صخرة تحت الأرض السابعة خضراء خضرة السماوات منها يجعل كتاب الفجار فيها . وقال وهب : هي آخر سلطان إبليس . وعن كعب الأحبار : أنّ روح الفاجر يعني : الكافر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ، ثم هبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين ، وهو موضع جند إبليس وذلك استهانة بها ، ويشهدها الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون . وقال عكرمة : لفي سجين ، أي : في خسار وضلال . وَما أَدْراكَ أي : جعلك داريا وإن اجتهدت في ذلك . ما سِجِّينٌ وقال الزجاج : أي : ليس لك ذلك ما كنت تعلمه أنت ولا قومك . وقوله تعالى : كِتابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرا لسجين بل هو بيان للكتاب المذكور في قوله تعالى : إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ أي : هو كتاب مرقوم ، أي : مسطور بين الكتابة مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازون به ، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه . وقيل : الرقم الختم بلغة حمير ، واقتصر على هذا الجلال المحلي . وقال قتادة : رقم عليه بشرّ كأنه علم بعلامة يعرف بها أنه كافر . والمعنى : أنّ ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان ، وسمي سجينا فعيلا من السجن وهو الحبس والتضييق في جهنم ، أو لأنه مطروح تحت الأرض كما مرّ . فإن قيل : سجين هل هو اسم أو صفة ؟ أجيب : بأنه اسم علم منقول من وصف كحاتم ، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف . وَيْلٌ أي : أعظم الهلاك يَوْمَئِذٍ أي : إذ تقوم الناس لما تقدّم لِلْمُكَذِّبِينَ أي : بذلك أو بالحق . وقوله تعالى : الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ أي : بسبب الإخبار بيوم الدِّينِ أي : الجزاء الذي هو سر الوجود بدل أو بيان للمكذبين . ثم أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين بثلاث صفات ذكر أولها بقوله تعالى : وَما أي : والحال أنه ما يُكَذِّبُ بِهِ أي : بذلك اليوم إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أي : متجاوز عن النظر غال في التقليد ، حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه ، فاستحال منه الإعادة . ثم ذكر الصفة الثانية بقوله تعالى : أَثِيمٍ أي : منهمك في الشهوات المحرجة بحيث اشتغل عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها . ثم ذكر الصفة الثالثة بقوله تعالى : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا أي : القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي : الحكايات سطرت قديما جمع أسطور بالضم ، وذلك لفرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل ، وهذا عام في كل موصوف بذلك ، وقال الكلبي : هو الوليد بن المغيرة . وقيل : هو النضر بن الحارث . وقوله تعالى : كَلَّا ردع وزجر ، أي : ليس هو أساطير الأوّلين ، وقال الحسن : معناها حقا كما مرّ . بَلْ رانَ أي : غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم السماء عَلى قُلُوبِهِمْ أي : كل من قال هذا القول ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي : كما يركب الصدأ من إصرارهم على الكبائر وتسويف التوبة

--> ( 1 ) أخرجه البغوي في تفسيره 7 / 219 ، والقرطبي في تفسيره 19 / 258 .