الخطيب الشربيني

562

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا وهو في مصحف عبد الله بالظاء ، وفي مصحف أبيّ بالضاد ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقرأ بهما . قال الزمخشري : وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب ، ومعرفة مخرجيهما مما لا بدّ منه للقارئ ، فإنّ أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ففرقا غير صواب ، وبينهما بون بعيد ، فإنّ مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره ، وكان عمر بن الخطاب أضبط يعمل بكلتا يديه ، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه ، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين . وأمّا الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا ، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء ، ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان ، واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة ، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب . فإن قلت : فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه ، قلت : هو كوضع الذال مكان الجيم والثاء مكان السين لأنّ التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما ا ه . كلامه بحروفه . وَما هُوَ أي : القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات . وأغرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال تعالى : بِقَوْلِ شَيْطانٍ أي : مسترق للسمع فيوحيه إليه كما يوحيه إلى بعض الكهنة رَجِيمٍ أي : مرجوم مطرود بعيد من الرحمة ، وذلك أنّ قريشا كانوا يقولون : إنّ هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه ، يريدون بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه ، فنفى الله تعالى ذلك . وقوله تعالى : فَأَيْنَ منصوب بقوله تعالى : تَذْهَبُونَ لأنه ظرف مبهم ، وقال أبو البقاء : أي إلى أين فحذف الجار ، أي : فأيّ طريق تسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه ، وفي هذا استضلال لهم فيما يسلكون من أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والقرآن كقولك لتارك الجادّة أين تذهب . إِنْ أي : ما هُوَ أي : القرآن الذي آتاكم به الرسول إِلَّا ذِكْرٌ أي : عظة وشرف لِلْعالَمِينَ من إنس وجنّ وملك . وقوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من العالمين بإعادة الجار أَنْ يَسْتَقِيمَ باتباع الحق . قال أبو جهل : الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم ، وهذا هو القدر وهو رأس القدرية فنزل وَما تَشاؤُنَ الاستقامة على الحق إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي : إلا وقت أن يشاء الملك الأعظم الذي بيده كل شيء مشيئتكم الاستقامة عليه رَبُّ الْعالَمِينَ أي : مالك الخلق . وفي هذا إعلام أنّ أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى ، ولا شرا إلا بخذلانه . ونقل البغوي في أوّل السورة بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما : أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ » « 1 » . وأمّا قول البيضاوي تبعا للزمخشري إنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته » « 2 » . فحديث موضوع .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 37 ، والحاكم في المستدرك 2 / 515 . ( 2 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 714 .