الخطيب الشربيني
557
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال العجاج في مدحه لعمرو بن معديكرب « 1 » : إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر * تقضي البازي إذا البازي كسر أبصر خربان فضاء فانكدر أي : فانقض وسقط ، والخربان جمع خرب وهو ذكر الحبارى ، والباع يستعمل في الكرم ، يقال : فلان كريم الباع ؛ والمعنى : أنّ الكرام إذا ابتدروا فعل المكرمات بدرهم عمرو ، أي : أسرع كانقضاض البازي . وروي عن ابن عباس أنّ النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور بأيدي الملائكة عليهم السلام ، فإذا مات من في السماوات ومن في الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة ، لأنه مات من كان يمسكها . وَإِذَا الْجِبالُ التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي ، وهي أصلب ما في الأرض . سُيِّرَتْ أي : ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا ، وصارت الأرض قاعا صفصفا . وَإِذَا الْعِشارُ أي : النوق الحوامل جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء ، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، وهي أنفس ما يكون عند أهلها . روي أنه صلى اللّه عليه وسلم « مرّ في أصحابه بعشار من النوق فغض بصره ، فقيل له : هذه أنفس أموالنا فلم لا تنظر إليها ؟ فقال : قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [ الحجر : 88 ] الآية » « 2 » . عُطِّلَتْ أي : تركت مسيبة مهملة بلا راع ، أو عطلها أهلها عن الحلب والصر لاشتغالهم بأنفسهم ، أو السحاب عطلت عن المطر والعرب تشبه السحاب بالحامل ، والأوّل على وجه المثل لأنّ في القيامة لا تكون ناقة عشراء ، والمعنى : أنّ يوم القيامة بحالة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه . وَإِذَا الْوُحُوشُ أي : دواب الأرض التي لا تأنس بأحد التي تظن أنها لا عبرة بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها حُشِرَتْ أي : جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض ثم تصير ترابا . قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص . وقيل : إذا قضي بينها ردّت ترابا فلا يبقى منه إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه . وعن ابن عباس حشرها موتها ، يقال إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم : حشرتهم السنة . وقرأ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي : على كثرتها ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم والباقون بتشديدها . قال ابن عباس : أوقدت فصارت نارا تضطرم . وقال مجاهد : فجر بعضها في بعض العذب والملح ، فصارت البحار كلها بحرا واحدا . وقال القشيري : يرفع الله تعالى الحاجز الذي ذكره ، فإذا رفع ذلك البرزخ تفجرت مياه البحار فعمت الأرض كلها وصارت بحرا واحدا . وروى
--> ( 1 ) الرجز للعجاج في ديوانه 1 / 42 ، 43 ، ولسان العرب ( ضبر ) ، ( ظفر ) ، ( عمر ) ، وأدب الكاتب ص 487 ، والأشباه والنظائر 1 / 48 ، وديوان الأدب 2 / 156 ، والإيضاح 2 / 158 . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 9 / 330 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 4 / 216 ، وابن كثير في تفسيره 4 / 476 .