الخطيب الشربيني

554

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق بالعاقل أن يتمرّد على طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض وهو شرح أحوال القيامة ، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمّل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر ، ويدعوه أيضا إلى ترك التكبر على الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 33 إلى 42 ] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) فَإِذا جاءَتِ أي : كانت ووجدت لأنّ كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك الصَّاخَّةُ أي : صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن ، أي : تصمها لشدّة وقعتها . مأخوذة من صخه بالحجر أي : صكه به . وقال الزمخشري : صخ لحديثه مثل أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازا ، لأنّ الناس يصخون لها . وقال ابن العربي : الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة ، وهذا من بديع الفصاحة كقوله « 1 » : أصمني سرّهم أيام فرقتهم * وهل سمعتم بسرّ يورث الصمما وجواب ( إذا ) محذوف دل عليه قوله تعالى : فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ أي : اشتغل كل واحد بنفسه . وقوله تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ بدل من إذا مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ أي : زوجته وَبَنِيهِ لاشتغاله بما هو مدفوع إليه ، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا كقوله تعالى : يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً [ الدخان : 41 ] فيفرّ المرء من هؤلاء الذين كان يفرّ إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم لكثرة ما يشغله . وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب ، ثم بالأمّ لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ ، وهو لها آلف وعليها أحنّ وعليها أرق وأعطف ، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف لأنه أقرب منها في النوع ، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله ، ثم بالصاحبة لأنّ الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد ، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد ، ثم بالولد لأنّ له من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره ، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره . فقدّم أدناهم مرتبة في الحب والذب ، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل : يفرّ المرء من أخيه بل من أمّه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه ، وقيل : يفرّ منهم حذرا من مطالبتهم بالتبعات . يقول الأخ : لم تواسني بمالك ، والأبوان : قصرت في برّنا ، والصاحبة : أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت ، والبنون : لم تعلمنا ولم ترشدنا ، وقيل : أوّل من يفرّ من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم عليه السلام ، ومن صاحبته نوح ولوط ، ومن ابنه نوح . ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى : لِكُلِّ امْرِئٍ وإن كان أعظم الناس مروءة مِنْهُمْ

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .