الخطيب الشربيني
549
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما . قال أنس بن مالك : رأيته يوم القادسية راكبا وعليه درع وله راية سوداء . وَما يُدْرِيكَ أي : أيّ شيء يجعلك داريا بحاله لَعَلَّهُ أي : الأعمى يَزَّكَّى فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي ، أي : يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وفي ذلك إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية غيره . أَوْ يَذَّكَّرُ فيه إدغام التاء في الذال أي : يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره قوله تعالى : فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أي : العظة المسموعة منك ، وقرأ عاصم بنصب العين والباقون برفعها ، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى : أَوْ يَذَّكَّرُ ومن نصب فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر : فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى [ غافر : 37 ] . وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى : أَوْ يَذَّكَّرُ في حكم قوله تعالى : لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . واعترض عليه أبو حيان : بأنّ هذا ليس تمنيا وإنما هو ترج . وأجيب عنه : بأنه إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى . وقرأ الذِّكْرى أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بين اللفظين ، والباقون بالفتح وقيل : الضمير في لعله للكافر يعني : أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي : بالمال ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استغنى عن الله وعن الإيمان بما له من المال . فَأَنْتَ لَهُ أي : دون الأعمى تَصَدَّى أي : تتعرّض له بالإقبال عليه والمصادّة المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها والباقون بالتخفيف . وَما أي : فعلت ذلك والحال أنه ما عَلَيْكَ أي : وليس عليك بأس أَلَّا يَزَّكَّى أي : في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إن عليك إلا البلاغ . وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ حال كونه يَسْعى أي : يسرع في طلب الخير وهو ابن أمّ مكتوم وَهُوَ أي : والحال أنه يَخْشى أي : الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان إليك . وقيل : جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة ، وقرأ قالون وأبو عمرو والسدّي بسكون الهاء والباقون بضمها . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى فيه حذف التاء الآخرة في الأصل ، أي : تتشاغل ، وقرأ وَتَوَلَّى ، الْأَعْمى ، يُزَكِّي ، * مَنِ اسْتَغْنى ، تَصَدَّى ، يُزَكِّي ، * يَسْعى ، يَخْشى ، تَلَهَّى حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش وأبو عمرو بين بين ، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح . وقوله تعالى : كَلَّا ردع عن العاتب عليه وعن معاودة مثله . فإن قيل : ما فعله ابن أمّ مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم على تأديبه ، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته صلى اللّه عليه وسلم لأولئك الكفار ، وكان بسماعه يعرف شدّة اهتمام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلامه صلى اللّه عليه وسلم لغرض نفسه قبل تمام كلام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم معصية عظيمة ، وأيضا فإنّ الأهمّ يقدّم على المهمّ ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين ، وأما أولئك الكفار فلم