الخطيب الشربيني
527
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
استكبارهم ، وأن يكون بمعنى اركعوا في الصلاة إذ روي أنها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بالصلاة فقالوا : لا نجبي فإنها مسبة علينا فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود » « 1 » . قال في القاموس : جبى تجبية وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه ، والتجبية أن تقوم قيام الراكع . واستدل بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، وأنهم حال كفرهم يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة ؛ لأنّ الله تعالى ذمهم حال كفرهم ، وعلى أنّ الأمر للوجوب لأنّ الله تعالى ذمهم بمجرّد ترك المأمور به ، وهو يدل على أنّ الأمر للوجوب . فإن قيل : إنما ذمهم لكفرهم . أجيب بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه إلا أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لتركهم المأمور به . وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ يكون الفصل لِلْمُكَذِّبِينَ أي : بما أمروا به . قال الرازي : إنّه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بهذه الوجوه العشرة المذكورة وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل القطعية مع تجليها ووضوحها فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي : القرآن يُؤْمِنُونَ أي : لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب الله تعالى بعد تكذيبهم به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره ، واستدل بعض المعتزلة بهذه الآية على أنّ القرآن حادث لأن الله تعالى وصفه بأنه حديث والحديث ضد القديم والضدان لا يجتمعان ، فإذا كان حديثا وجب أن لا يكون قديما . وأجيب : بأن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاع في أنها محدثة . وقول البيضاوي تبعا للزمخشري : إنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة والمرسلات كتب الله تعالى له أنه ليس من المشركين » « 2 » حديث موضوع .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الخراج حديث 3026 ، وأحمد في المسند 4 / 218 ، والبيهقي في السنن الكبرى 2 / 445 ، والطبراني في المعجم الكبير 9 / 45 . ( 2 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 684 .