الخطيب الشربيني

523

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 24 ] واعترض بأنّ الذي ذكره ليس من المسوّغات التي ذكرها النحويون ، وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره . أَ لَمْ نُهْلِكِ أي : بما لنا من العظمة الْأَوَّلِينَ من لدن آدم عليه السلام إلى زمن محمد صلى اللّه عليه وسلم كقوم نوح وعاد وثمود بتكذيبهم أي : أهلكناهم ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ أي : ممن كذبوا ككفار مكة فنهلكهم كما أهلكنا الأوّلين ونسلك بهم سبيلهم ؛ لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم . كَذلِكَ أي : مثل ذلك الفعل الشنيع نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ أي : بكل من أجرم فيما يستقبل إمّا بالسيف وإمّا بالهلاك . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ يوجد ذلك الفعل لِلْمُكَذِّبِينَ أي : بآيات الله وأنبيائه ، قال البيضاوي : فليس تكرارا وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد لأنّ الويل الأوّل بعذاب الآخرة ، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أنّ التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب . أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ أي : أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تغيرها عظمة مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي : ضعيف حقير وهو المني ، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار وهو من وجهين : الأوّل : أنّه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم وكل ما كان نعمه عليه أكثر كان جنايته في حقه أقبح وأفحش . الثاني : أنه تعالى ذكرهم أنه قادر على الابتداء ، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فكما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة لا جرم قال تعالى في حقهم : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وهذه الآية نظير قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [ السجدة : 8 ] . وقرأ كل القراء بإدغام القاف في الكاف وإبقاء الصفة ولهم أيضا إدغام الصفة مع الحذف . فَجَعَلْناهُ أي : بما لنا من القدرة والعظمة بالإنزال للماء في الرحم فِي قَرارٍ أي : مكان مَكِينٍ أي : حريز وهو الرحم . إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ أي : وهو وقت الولادة ، كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ لقمان : 34 ] إلى قوله : وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [ لقمان : 34 ] . فَقَدَرْنا أي : ذلك دون غيرنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ نحن ، وقرأ نافع والكسائي بتشديد الدال فيصح على هذه القراءة أن يكون المعنى : فقدّرناه والباقون بالتخفيف ، وقال عليّ كرم الله وجهه : ولا يبعد أن يكون المعنى في التخفيف والتشديد واحدا ؛ لأنّ العرب تقول : قدر وقدر عليه الموت . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ كان ذلك لِلْمُكَذِّبِينَ أي : بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة . وقوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ أي : نصير بما شئنا بما لنا من العظمة الْأَرْضَ كِفاتاً مصدر كفت بمعنى ضم وعاء ضامّة . أَحْياءً أي : على ظهرها في الدور وغيرها وَأَمْواتاً أي : في بطنها في القبور وغيرها . وقيل : الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض أي : الأرض منقسمة إلى حيّ وهو الذي ينبت ، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت ، وقيل : كفاتا جمع كافت كصيام وقيام جمع صائم وقائم ، وقال الخليل : تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر ويقال انكفت القوم إلى منازلهم ، أي : انقلبوا ، فمعنى