الخطيب الشربيني
513
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
زَنْجَبِيلًا أي : غاية اللذة ، وكانت العرب تلتذ بالشراب الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم ، والزنجبيل : نبت معروف ، وسمي الكأس بذلك لوجود طعم الزنجبيل فيها قال الأعشى « 1 » : كأن القرنفل والزنجبي * ل باتا بفيها وأريا مشورا وقال المسيب بن علس « 2 » : وكأن طعم الزنجبيل به * إذ أذقته وسلافة الخمر وقوله تعالى : عَيْناً فِيها أي : الجنة بدل من زنجبيلا وكون الزنجبيل عينا فيه خرق للعوائد ؛ لأنّ الزنجبيل عندنا شجر يحتاج في تناوله إلى علاج ، فبين أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلا إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها حتى يصير شجرا ليتحوّل عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل تُسَمَّى أي : تلك العين لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسموّ وصفها سَلْسَبِيلًا والمعنى : أن ماء تلك العين كالزنجبيل الذي تلتذ به العرب سهل المساغ في الحلق ، فليس هو كزنجبيل الدنيا يلذع في الحلق فتصعب إساغته . والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب غاية في السلاسة زيدت فيه الباء زيادة في المبالغة في هذا المعنى ، وقال مقاتل وابن حبان رضي الله عنهما : سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان . قال البغوي : وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع . وقال مقاتل رضي الله عنه : يشربها المقربون صرفا وتمزج لسائر أهل الجنة . ولما ذكر تعالى المطوف به لأنه الغاية المقصودة وصف الطائف لما في طوافه من العظمة المشهودة بقوله تعالى : [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 19 إلى 31 ] وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 ) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 31 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ أي : بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب وِلْدانٌ أي : غلمان هم في
--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان الأعشى ص 143 ، ولسان العرب ( شور ) ، ( زنجبيل ) ، وتهذيب اللغة 11 / 260 ، 404 ، وجمهرة اللغة ص 1263 ، وكتاب العين 6 / 280 ، والمخصص 5 / 15 ، 14 / 241 ، وتاج العروس ( شور ) ، ( زنجبيل ) . ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ولعدي بن الرقاع بيت في ديوانه ص 44 ، قريب منه ، وهو : وكأن طعم الزنجبيل ولذّة * صهباء ساك بها المسحّر فاها والبيت من الكامل ، وهو في لسان العرب ( سدك ) ، وتهذيب اللغة 10 / 316 .