الخطيب الشربيني
510
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ومسكن يقيمون فيه وملبس وقد أشار إلى الأوّل بقوله تعالى : وَلَقَّاهُمْ أي : أعطاهم نَضْرَةً أي : حسنا دائما في وجوههم ، وأشار إلى الثاني بقوله تعالى : وَسُرُوراً أي : في قلوبهم دائما في مقابلة خوفهم في الدنيا . وأشار إلى الثالث بقوله تعالى : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا أي : بسبب ما أوجدوا من الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الشهوات وبذل المحبوبات جَنَّةً أي : ادخلوا بستانا جامعا يأكلون منه ما يشتهون جزاء على ما كانوا يطعمون وإن كان غيرهم يشاركهم في ذلك دونهم في الجزاء وأشار إلى الرابع بقوله تعالى : وَحَرِيراً أي : ألبسوه أي : هو في غاية العظمة ، وما رواه البيضاوي تبعا للزمخشري عن ابن عباس أنّ الحسن والحسين رضي الله عنهما مرضا فعادهما رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في ناس فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما صوم ثلاثة أيام إن برئا فشفيا وما معهما شيء ، فاستقرض عليّ من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة آصع من شعير وطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما ، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم فوقف عليهم يتيم فآثروه ، ووقف عليهم أسير في الثالثة ، ففعلوا مثل ذلك زاد في الكشاف فلما أصبحوا أخذ عليّ رضي الله تعالى عنه بيد الحسن والحسين فأقبلوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع ، قال : ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه السلام وقال : خذها يا محمد - أي : السورة - هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة « 1 » حديث موضوع . ثم بين حالهم فيها بقوله تعالى مُتَّكِئِينَ فِيها أي : الجنة . واختلفوا في إعراب متكئين ، فقال الجلال المحلي : حال من مرفوع ادخلوها المقدر . وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون حالا من المفعول في جزاهم وأن يكون صفة ، واعترض عليه في كونه صفة بأنه لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم الضمير ، فيقال : متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له وقيل : إنه من فاعل صبروا ، واعترض أنّ الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة ، وأجيب بأنه يصح أن يكون حالا مقدرة لأنّ مآلهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة . ثم أشار إلى زيادة راحتهم بقوله تعالى : عَلَى الْأَرائِكِ أي : السرر في الحجال ولا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة وقيل : الأرائك الفرش على السرر . وقوله تعالى : لا يَرَوْنَ فِيها أي : الجنة حال ثانية على الخلاف المتقدم في الأولى ، ومن جوّز أن تكون الأولى صفة جوّزه في الثانية . وقيل : إنها حال من الضمير المرفوع المستكن في متكئين فتكون حالا متداخلة . شَمْساً أي : حرّا وَلا يرون فيها زَمْهَرِيراً أي : بردا شديدا ، فالآية من الاحتباك دل نفي الشمس أوّلا على نفي القمر ودل نفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانيا على نفي الحرّ الذي سببه الشمس ، فأفاد هذا أنّ الجنة غنية عن النيرين ، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان إذ لا تكليف
--> ( 1 ) الحديث ذكره البيضاوي في تفسيره 2 / 552 .