الخطيب الشربيني

504

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين نعت لنطفة ووقع الجمع نعتا لمفرد لأنه في معنى الجمع كقوله رَفْرَفٍ خُضْرٍ [ الرحمن : 76 ] أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فوصفت بالجمع ، وقال الزمخشريّ : نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ كبرمة أعشار وبرد أكياش ، وهي ألفاظ مفردة غير جموع ولذلك وقعت صفات للأفراد ، ويقال أيضا : نطفة مشج قال الشماخ « 1 » : طوت أحشاء مرتجة لوقت * على مشج سلالته مهين ولا يصح أمشاج أن يكون تكسيرا له بل هما مثلان في الإفراد لوصف المفرد بهما ا ه . فقد منع أن يكون أمشاجا جمع مشج بالكسر . قال أبو حيان : وقوله مخالف لنص سيبويه والنحويين على أنّ أفعالا لا يكون مفردا ، وأجاب بعضهم بأن الزمخشري إنما قال يوصف به المفرد ولم يجعل أفعالا مفردا فكأنه جعل كل قطعة من البرمة برمة وكل قطعة من البرد بردا فوصفهما بالجمع ، والمعنى : من نطفة قد امتزج فيها الماءان وكل منهما مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص يجمع من الأخلاط وهي العناصر الأربعة : ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، فأيهما علا كان الشبه له . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد فما كان من عصب وعظم وقوّة فمن نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة ، قال القرطبيّ : وقد روي هذا مرفوعا ذكره البزار وعن قتادة : أمشاج ألوان وأطوار ، يريد أنها تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقا آخر . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : هي عروق النطفة . وقال مجاهد : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء وصفراء ، والغرض من هذا التنبيه على أنّ الإنسان محدث فلا بد له من محدث قادر على تصويره وقد صوّره على صور مختلفة فمنها صغير وكبير وطويل وقصير ومستدير وعريض . ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه جعل بين العظام مفاصل ثم أوصلها بأوتار وعروق ولحم ، ودوّر الرأس وشق في جانبيه السمع ، وفي مقدمه البصر والأنف والفم ، وشق في البدن سائر المنافذ ، ثم مد اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة ، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ القيامة : 40 ] . وقوله تعالى : نَبْتَلِيهِ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من فاعل خلقنا أي : خلقناه حال كوننا مبتلين له ، والثاني : أنه حال من الإنسان وصح ذلك لأنّ في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال ، ثم هذه الحال يجوز أن تكون مقارنة إن كان المعنى : نبتليه نصرّفه في بطن أمّه نطفة ثم علقة ، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى : نبتليه نختبره بالتكليف لأنه وقت خلقه غير مكلف ، وفيما يختبره به وجهان : أحدهما : قال الكلبي : نختبره بالخير والشرّ . والثاني : قال الحسن : نختبر شكره في السرّاء وصبره في الضرّاء . وقيل : نبتليه نكلفه بالعمل بعد الخلق . قال مقاتل رضي الله عنه : وقيل : نكلفه ليكون مأمورا بالطاعة

--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو في ديوان الشماخ ص 328 ، ولسان العرب ( مشج ) ، ( سلل ) ، وتهذيب اللغة 10 / 551 ، وتاج العروس ( سلل ) .