الخطيب الشربيني
499
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وقال سعيد بن المسيب : هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفن . وقال زيد بن أسلم : التفت ساق الكفن بساق الميت . وقال الضحاك : الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه . وقال السدي : لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه ، وأول الأقوال كما قال النحاس : أحسنها ، والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد والمحن العظام ، ومنه قولهم قامت الحرب على ساق ، قال أهل المعاني : لأنّ الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقيه ، فقيل للأمر الشديد : ساق . قال الجعدي « 1 » : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ذكر غاية ذلك ، فقال تعالى مفردا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره إِلى رَبِّكَ أي : المحسن إليك بجميع ما أنت فيه يَوْمَئِذٍ أي : إذ وقع هذا الأمر الْمَساقُ أي : السوق إلى حكمه تعالى فقد انقطعت عنه أحكام الدنيا فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة وإمّا إلى شقاوة . والضمير في قوله تعالى : فَلا صَدَّقَ راجع للإنسان المذكور في أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أي : فلا صدّق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما أخبره به بما كان يعمل من الأعمال الخبيثة ولا في ماله بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب إليها واجبة كانت أو مندوبة . وحذف المعمول لأنه أبلغ في التعميم . وَلا صَلَّى أي : ما أمر به من فرض وغيره فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل حبل الخلائق ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لم يصدق بالرسالة ولا صلى ، أي : دعا لربه عز وجلّ وصلى على رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وقال قتادة : فلا صدق بكتاب الله تعالى ولا صلى لله جل ذكره . وَلكِنْ أي : فعل ضد ما أمر به بأن كَذَّبَ أي : بما أتاه به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من قرآن وغيره وَتَوَلَّى أي : أعرض عنه وهذا الاستدراك واضح إذ لا يلزم من نفي التصديق والصلاة التكذيب والتولي . وقال القرطبي : معناه : كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان . وقيل : نزلت في أبي جهل . ثُمَّ ذَهَبَ أي : هذا الإنسان أو أبو جهل إِلى أَهْلِهِ غير متفكر في عاقبة ما فعل من التكذيب حالة كونه يَتَمَطَّى أي : يتبختر افتخارا بتكذيبه وإعراضه وعدم مبالاته بذلك وأصله يتمطط أي : يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه ، وإنما أبدلت الطاء الثانية ياء كراهة اجتماع الأمثال ، وقيل : هو من المطا وهو الظهر لأنه يلويه تبخترا في مشيته . وقوله تعالى : أَوْلى لَكَ فيه التفات من الغيبة والكلمة اسم فعل واللام للتبيين أي : وليك ما تكره فَأَوْلى أي : فهو أولى بك من غيرك . وقوله تعالى : ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى تأكيد وقيل : هذه الكلمة تقولها العرب لمن قاربه المكروه ، وأصلها من الولي وهو القرب . قال الله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ [ التوبة : 123 ] وقال قتادة : ذكر لنا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما نزلت هذه الآية « أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء ، وقال له : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى فقال أبو جهل : أتوعدني يا محمد فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني والله لأعز من مشى بين جبليها » . فلما كان يوم بدر صرعه الله
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في البيان والتبيين 4 / 60 .