الخطيب الشربيني
494
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم : قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوّرين مظلمين مقرّنين كأنهما ثوران عقيران في النار ، وقال عطاء بن يسار رضي الله عنه : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى ، وقيل : يجمعان في نار جهنم لأنهما قد عبدا من دون الله تعالى ولا تكون النار عذابا لهما ، لأنهما جماد ، وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم . وقوله تعالى : يَقُولُ الْإِنْسانُ أي : لشدّة روعه جريا مع طبعه جواب إذا من قوله تعالى فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ . يَوْمَئِذٍ أي : إذا كانت هذه الأشياء ، وقوله تعالى : أَيْنَ الْمَفَرُّ منصوب المحل بالقول والمفرّ مصدر بمعنى الفرار . قال الماوردي : ويحتمل وجهين : أحدهما : أين المفرّ من الله تعالى استحياء منه . والثاني : أين المفرّ من جهنم حذرا منها . ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين : أحدهما : أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه تعالى . والثاني : أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها . وقيل : أبو جهل خاصة . وقوله تعالى : كَلَّا ردع عن طلب المفرّ لا وَزَرَ أي : لا ملجأ ولا حصن استعير من الجبل . قال السدّي : كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصنوا في الجبال ، فقال الله تعالى لهم : لا وزر يعصمكم مني يومئذ واشتقاقه من الوزر وهو الثقل إِلى رَبِّكَ أي : المحسن إليك بأنواع الإحسان لا إلى شيء غيره يَوْمَئِذٍ أي : إذ كانت هذه الأمور الْمُسْتَقَرُّ أي : استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا وباطنا لا حكم لغيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا . وقال ابن مسعود : المصير والمرجع ، قال الله تعالى إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى [ العلق : 8 ] و إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ المائدة : 18 ] وقال السدّي : المنتهى ، نظيره وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] . يُنَبَّأْ أي : يخبر تخبيرا عظيما الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أي : إذا كان الزلزال الأكبر بِما قَدَّمَ قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم : بما قدّم قبل موته من عمل صالح وسئ وَأَخَّرَ بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها . وقال ابن عطية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بما قدّم من المعصية وأخر من الطاعة ، وقال قتادة : بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله فضيعه . وقال مجاهد : بأوّل عمله وآخره . وقال عطاء : بما قدم في أوّل عمره وما أخر في آخر عمره . وقال يزيد بن أسلم : بما قدّم من أموال نفسه وما أخر خلفة للورثة ، والأولى أن يقال ينبأ بجميع ذلك إذ لا منافاة بين هذه الأقوال . بَلِ الْإِنْسانُ أي : كل واحد من هذا النوع عَلى نَفْسِهِ أي : خاصة بَصِيرَةٌ أي : حجة بينة على أعماله والهاء للمبالغة يعني : أنه في غاية المعرفة بأحوال نفسه ، فيشهد عليه بعمله سمعه وبصره وجوارحه قال الله تعالى : كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] . قال البغوي : ويحتمل أن يكون معناه : بل للإنسان على نفسه يعني جوارحه ، فحذف حرف الجر كقوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ [ البقرة : 33 ] أي : لأولادكم ، ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث أي : بل الإنسان على نفسه عين بصيرة . وَلَوْ أَلْقى أي : ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير تلعثم دلالة على غاية الصدق