الخطيب الشربيني

488

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولما أخرجهم من حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه استأنف بيان حالهم فقال تعالى : فِي جَنَّاتٍ أي : بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا أنفسهم وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا يَتَساءَلُونَ أي : فيما بينهم يسأل بعضهم بعضا أو يسألون غيرهم . عَنِ الْمُجْرِمِينَ أي : عن أحوالهم ويقولون لهم بعد إخراج الموحدين من النار : ما محتملة للاستفهام والتعجب والتوبيخ سَلَكَكُمْ أي : أدخلكم أيها المجرمون إدخالا هو في غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب ، وقرأ السوسي بإدغام الكاف في الكاف والباقون بالإظهار فِي سَقَرَ . فأجابوا بأن قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ أي : صلاة يعتدّ بها فكان هذا تنبيها على أنّ رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم وعلى أنهم معاقبون على فروع الشريعة وإن كانت لا تصلح منهم ، فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتدّ بها وعلى أنّ الصلاة أعظم الأعمال وأنّ الحسنات بها تقدّم على غيرها . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي : نعطيه ما يجب علينا إعطاؤه له . وَكُنَّا نَخُوضُ أي : نوجد الكلام الذي هو في غير مواقعه ولا علم لنا به إيجاد المشي من الخائض في ماء غمر مَعَ الْخائِضِينَ بحيث صار لنا هذا وصفا راسخا ، فنقول في القرآن : إنه سحر ، وإنه شعر ، وإنه كهانة ، وغير هذا من الأباطيل لا نتورّع عن شيء من ذلك ولا نقف مع عقل ولا نرجع إلى صحيح نقل ، فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت منزلتهم من هنا . وَكُنَّا نُكَذِّبُ أي : بحيث صار ذلك وصفا ثابتا بِيَوْمِ الدِّينِ أي : بيوم البعث والجزاء . حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ أي : الموت أو مقدّماته الذي قطعنا عن دار العمل . قال الله تعالى حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . فإن قيل : لم أخر التكذيب وهو أخس الخصال الأربع ؟ أجيب : بأنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذبين بيوم الدين ، والغرض تعظيم الذنب كقوله تعالى : كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا . ولما أقرّوا على أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم فكانوا ممن فسد مزاجه فتعذر علاجه سبب عنه قوله تعالى : فَما تَنْفَعُهُمْ أي : في حال اتصافهم بهذه الصفات شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ أي : لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها ، وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة . كقوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها ؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : يشفع نبيكم عليه الصلاة والسلام رابع أربعة جبرائيل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم صلى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعين ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصدّيقون ثم الشهداء ، ويبقى قوم في جهنم يقال لهم ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إلى قوله تعالى : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : فهؤلاء الذين في جهنم . فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ أي : فما لأهل مكة قد أعرضوا وولوا عن القرآن قال مقاتل