الخطيب الشربيني
462
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وتخشع . وكرهت بفم نجس . وجازت بحمام . وهي نظرا في المصحف أفضل منها على ظهر قلب ، نعم إن زاد خشوعه وحضور قلبه في القراءة عن ظهر قلب فهي أفضل في حقه . وهي أفضل من ذكر لم يخص بمحل ، وحرم توسد مصحف . وندب كتبه وإيضاحه ونقطه وشكله ، ويحرم كتبه بنجس ومسه بنجس غير معفوّ عنه ، وتحرم القراءة بالشواذ وهي ما نقل آحادا وبعكس الآي وكره العكس في السور إلا في تعليم . وندب ختم القرآن أوّل نهار وأوّل ليل وختمه في الصلاة أفضل من ختمه خارجها ، وندب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يوما نهى الشرع عن صيامه ، وندب الدعاء بعده وحضوره . والشروع بعده في ختمة أخرى . وندب كثرة تلاوته . ونسيانه كبيرة وكذا نسيان شيء منه ويحرم تفسيره بلا علم . إِنَّا أي : بما لنا من العظمة سَنُلْقِي أي : بوعد لا خلف فيه عَلَيْكَ قَوْلًا أي : قرآنا ، واختلف في معنى قوله تعالى ثَقِيلًا فقال قتادة رضي الله عنه : ثقيل والله فرائضه وحدوده . وقال مجاهد رضي الله عنه : حلاله وحرامه . وقال محمد بن كعب رضي الله عنه : ثقيلا على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم ويبطل أديانهم . وقيل : على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وسب آلهتهم . قال السدّي رضي الله عنه : ثقيلا بمعنى كريم مأخوذ من قولهم : فلان ثقل عليّ ، أي : كرم عليّ . وقال الفراء : ثقيلا ، أي رزينا . وقال الحسن بن الفضل : ثقيلا أي لا يحمله إلّا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد . وقال ابن زيد : هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الميزان يوم القيامة . وقيل : ثقيل أي : ثابت كثبوت الثقيل في محله . ومعناه : إنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبدا . وقيل : ثَقِيلًا بمعنى : أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته ، والفقهاء بحثوا في أحكامه ، وكذا أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني ، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدّمون ، فعلمنا أنّ الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله ، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله . والأولى أن تحمل هذه المعاني كلها فيه . وقيل : المراد هو الوحي كما جاء في الخبر « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها أي : صدرها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه » « 1 » . وعن الحرث بن هشام أنه سأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كيف يأتيك الوحي ؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس ، وهذا أشدّ عليّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول . قالت عائشة رضي الله عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصد عرقا « 2 » ، أي : يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد . وقوله فينفصم عني أي : ينفصل عني ويفارقني ، وقد وعيت أي :
--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 38 ، والحاكم في المستدرك 2 / 549 . ( 2 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي حديث 2 ، ومسلم في الفضائل حديث 2323 ، والترمذي في المناقب حديث 3634 ، والنسائي في الافتتاح حديث 934 .