الخطيب الشربيني

449

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

في المطر ، كما قال تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 96 ] الآية . وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] الآية . وقال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ الطلاق : 2 ] الآية . وقال تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً إلى قوله : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [ نوح : 10 - 12 ] الآية . لِنَفْتِنَهُمْ أي : نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة فِيهِ أي : في ذلك الماء الذي تكون عنده أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر . قال الرازي : وهذا بعد ما حبس عنهم المطر سنين ا . ه . قال الجلال المحلي : سبع سنين . وقال عمر رضي الله تعالى عنه : أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة . وقال الحسن وغيره : كانوا سامعين مطيعين ، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان رضي الله تعالى عنه . قال البقاعي : ويجوز أن يكون مستعارا للعلم وأنواع المعارف الناشئة عن العبادات التي هي للنفوس كالنفوس للأبدان ، وتكون الفتنة بمعنى التخليص من الهموم والرذائل في الدنيا والنعم في الآخرة من فتنت الذهب ، إذا : خلصته من غشه . وَمَنْ يُعْرِضْ أي : إعراضا مستمرا إلى الموت عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ أي : مجاوزا عن عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره . وقيل : المراد بالذكر القرآن ، وقيل : الوحي . وقيل : الموعظة . نَسْلُكُهُ أي : ندخله عَذاباً يكون مظروفا فيه كالخيط في ثقب الخرزة في غاية الضيق صَعَداً أي : شاقا شديدا يعلوه ويغلبه ويصعد عليه ، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقا . وقال ابن عباس : هو جبل في جهنم . قال الخدري : كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت . وعن ابن عباس : أنّ المعنى مشقة من العذاب ، لأنّ الصعد في اللغة هو المشقة ، تقول : تصعدني الأمر إذا شق عليك ، ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ما تصعدني في خطبة النكاح ، يريد ما شق علي وما غلبني والمشي في الصعود يشق . وقال عكرمة : هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها ، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم . وقال الكلبي : يكلف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلا في النار من صخرة ملساء يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها ولا يبلغ في أربعين سنة ، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ، ثم يكلف أيضا الصعود فذاك دأبه أبدا وهو قوله تعالى : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : 17 ] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة لإعادة الضمير على الله تعالى والباقون بالنون على الالتفات وهذا كما في قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 10 ] ثم قال : بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [ الإسراء : 1 ] . واتفقوا على فتح الهمزة في قوله تعالى : وَأَنَّ أي : وأوحي إليّ أنّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ أي : مختصة بالملك الأعظم والمساجد قيل جمع مسجد بالكسر وهو موضع السجود ، وقال الحسن : أراد بها كل البقاع لأنّ الأرض جعلت كلها مسجدا للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أينما كنتم فصلوا وأينما صليتم فهو مسجد » « 1 » . وقيل : إنه جمع مسجد بالفتح مرادا به الأعضاء الواردة في الحديث :

--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 20 ، وأخرجه مسلم في المساجد حديث 1 ، وأحمد في المسند 5 / 156 ، 157 ، بلفظ : « أينما أدركتك فصل فهو مسجد » .