الخطيب الشربيني

446

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولكنّ الشياطين كانت تسترق السمع في بعض الأحوال ، فلما بعث صلى اللّه عليه وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجنّ ومنع الاستراق أصلا . وعن معمر قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم . قلت : أرأيت قوله تعالى : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ ؟ قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم . وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال : « بينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار ، فقال : « ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية » ؟ فقالوا : كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا في السماء سبح حملة العرش ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ، فتسأل أهل السماء حملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم وتخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى أهل هذه السماء » « 1 » . وهذا يدل على أنّ هذه الشهب كانت موجودة ، قال ابن عادل : وهذا قول الأكثرين . فإن قيل : كيف تتعرّض الجنّ لاحتراق أنفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم ؟ أجيب : بأنّ الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة . قال القرطبي : والرصد قيل من الملائكة أي ورصدا من الملائكة ، والرصد الحافظ للشيء والجمع أرصاد ، وقيل : الرصد هو الشهاب ، أي : شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو فعل بمعنى مفعول . واختلف فيمن قال وَأَنَّا لا نَدْرِي أي : بوجه من الوجوه أَ شَرٌّ أُرِيدَ أي : بعدم استراق السمع بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ أي : المحسن إليهم المدبر لهم رَشَداً أي : خيرا فقال ابن زيد : معنى الآية أن إبليس قال : لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عقابا أو يرسل إليهم رسولا . وقيل : هو من قول الجنّ فيما بينهم قبل أن يستمعوا قراءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أي : لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذّب من الأمم ، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان ، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي . وقيل : قالوا لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي : لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثير من أهل الأرض ، فقالوا : إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون . قال الجنّ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ أي : العريقون في صفة الصلاح ، قال الجلال المحلي بعد استماع القرآن وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي : قوم غير صالحين كُنَّا أي : كونا هو كالجبلة طَرائِقَ قِدَداً أي : جماعات متفرّقين وأصنافا مختلفة ، قال سعيد بن المسيب : معنى الآية كنا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا ، وقال الحسن والسدّي : الجنّ أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وخوارج وشيعة وسنية . وقال ابن كيسان : شيعا وفرقا لكل فرقة هوى كأهواء الناس . وقال سعيد بن جبير : ألوانا شتى . وقال أبو عبيدة : أصنافا وقيل : منا الصالحون ومنا المؤمنون ، لم يتناهوا في الصلاح . قال القرطبي : والأوّل أحسن لأنه كان في الجنّ من آمن بموسى وعيسى ، وقد أخبر الله

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3224 ، وأحمد في المسند 1 / 218 .