الخطيب الشربيني

444

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الغلوّ في الكفر . وقال أبو مالك : هو الجور . وقال الكلبي : هو الكذب ، وأصله : البعد فعبر به عن الجور لبعده عن العدل ، وعن الكذب لبعده عن الصدق . وَأَنَّا أي : يا معشر المسلمين من الجنّ ظَنَنَّا أي : حسبنا لسلامة فطرتنا أَنْ أي : أنه وزادوا في التأكيد فقالوا لَنْ تَقُولَ وبدؤوا بأفضل الجنسين فقالوا الْإِنْسُ وأتبعوهم قرناءهم ، فقالوا وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ أي : الملك الأعلى الذي بيده النفع والضرّ كَذِباً أي : قولا هو لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب ، وإنما كنا نظنهم صادقين في قولهم إنّ لله صاحبة وولدا حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق قيل انقطع الإخبار عن الجنّ ههنا . وَأَنَّهُ أي : الشان كانَ رِجالٌ أي : ذوو قوة وبأس مِنَ الْإِنْسِ أي : النوع الظاهر في عالم الحس يَعُوذُونَ أي : يلتجئون ويعتصمون خوفا على أنفسهم وما معهم إذا نزلوا واديا بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ أي : القبيل المستتر عن الأبصار ، وذلك أنّ القوم منهم كانوا إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر تعبث بهم الجنّ في بعض الأحيان ؛ لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله ولا دين صحيح ولا كتاب من الله تعالى صريح ، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم ، فكان الرجل يقول عند نزوله : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت في أمن وفي جوار منهم حتى يصبح فلا يرى إلا خيرا ، وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته ، قال مقاتل : كان أوّل من تعوذ بالجنّ قوم من أهل اليمن من بني حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب ، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله تعالى وتركوهم . وقال كرم بن أبي السائب الأنصاري : خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أوّل ما ذكر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي وقال : يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله ، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة ، فكان ذلك فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه ، فتبعوهم في الضلال وفتنة للجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا الإنس والجن فيضلوا ويضلوا ولذلك سبب عنه قوله تعالى : فَزادُوهُمْ أي : الإنس والجن باستعاذتهم رَهَقاً أي : ضيقا وشدّة وغشيانا ، فجاءهم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منها الضيق والشدّة وقال مجاهد : الرهق : الإثم وغشيان المحارم ورجل رهق إذا كان كذلك . ومنه قوله تعالى : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [ يونس : 27 ] وقال الأعشى « 1 » : لا شيء ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا يعني إثما ، وقال مجاهد أيضا : زادوهم أي : أنّ الإنس زادوا الجن طغيانا بهذا التعوّذ حتى قالت الجن : سدنا الإنس والجن ، وقيل : لا ينطلق لفظ الرجال على الجنّ ، فالمعنى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس من شرّ الجن ، فكان الرجل مثلا يقول : أعوذ بحذيفة بن بدر من جنّ هذا الوادي . قال القشيري : وفي هذا تحكم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجل على الجن . تنبيه : قوله تعالى : مِنَ الْإِنْسِ صفة لرجال وكذا قوله مِنَ الْجِنِّ .

--> ( 1 ) يروى عجز البيت بلفظ : هل يشتفي وامق لم يصب رهقا والبيت من البسيط ، وهو في ديوان الأعشى ص 415 ، ولسان العرب ( رهق ) .