الخطيب الشربيني

442

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

قالوا لهم على سبيل الحكاية إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً وكان كذا وكذا فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم ما قالوه لقومهم . قال ابن عربي : ابن مسعود أعرف من ابن عباس لأنه شاهده وابن عباس سمعه وليس الخبر كالمعاينة . وقال القرطبي : إنّ الجنّ أتوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم دفعتين إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ابن مسعود ، والثانية : بنخلة وهي التي ذكرها ابن عباس . وقال البيهقي : الذي حكاه ابن مسعود إنما هو في أوّل ما سمعت الجنّ قراءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعلمت بحاله ، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه ابن عباس ، ثم أتاه داعي الجنّ مرّة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه ابن مسعود . وقال القشيري : لما رجم إبليس بالشهب فرّق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم فآمنوا ، ثم أتوا قومهم فقالوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يعني ولم يرجعوا إلى إبليس لما علموه من كذبه وسفاهته ، وجاؤوا إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في سبعين من قومه فأسلموا فذلك قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً [ الأحقاف : 29 ] الآيات . فَقالُوا أي : فتسبب عن استماعهم أن قالوا إِنَّا سَمِعْنا أي : حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه أفهامنا قُرْآناً أي : كلاما هو في غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما يحتاج إليه ، وقرأ ابن كثير بالنقل وقفا ووصلا وحمزة في الوقف دون الوصل والباقون بغير نقل وقفا ووصلا . ثم وصفوا القرآن بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا : عَجَباً أي : بديعا خارجا عن عادة أمثاله من جميع الكتب الإلهية فضلا عن جميع الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب . يَهْدِي أي : يبين غاية البيان إِلَى الرُّشْدِ أي : الحق والصواب فَآمَنَّا أي : كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع بِهِ أي : القرآن أي فاهتدينا به وصدّقنا أنه من عند الله . وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً أي : لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه ولا نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك ، وهذا يدل على أنّ أولئك الجنّ كانوا مشركين . قال الرازي : واعلم أنّ قوله تعالى : قُلْ أمر لرسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يظهر لأصحابه ما أوحي إليه في واقعة الجنّ وفيه فوائد : أحدها : أن يعرفوا بذلك أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى الجنّ كما بعث إلى الإنس . ثانيها : أن تعلم قريش أنّ الجنّ مع تمرّدهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ثالثها : أن يعلم القوم أنّ الجنّ مكلفون كالإنس . رابعها : أن يعلم أنّ الجنّ يستمعون كلاما تفهمه من لغتنا . خامسها : أن يظهر المؤمن منهم بدعوى غيره من الجنّ إلى الإيمان ، وفي هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس . تنبيهات : أحدها : اختلف العلماء في أصل الجنّ فروي عن الحس البصري أنّ الجنّ ولد إبليس ، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون ، وهم شركاء في الثواب والعقاب ، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان . وروى الضحاك عن ابن عباس أنّ الجنّ هم ولد الجان وليسوا شياطين ومنهم المؤمن ومنهم الكافر ، والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس . وروي أنّ ذلك النفر كانوا يهودا . وذكر الحسن أنّ منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين . ثانيها : اختلفوا في دخول الجنّ الجنة على حسب الاختلاف في أصلهم ، فمن زعم أنهم من