الخطيب الشربيني

436

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

لهم الشيطان : ما لكم لا تعبدون شيئا ؟ قالوا : وما نعبد ؟ قال : آلهتكم وآلهة آبائكم ، ألا ترون أنها في مصلاكم فعبدوها من دون الله تعالى حتى بعث الله نوحا عليه السلام ، فقالوا : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً الآية . وقال محمد بن كعب أيضا ومحمد بن قيس : بل كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا زين لهم إبليس أن يصوّروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم وليتسلوا بالنظر إليها فصوّروهم ، فلما ماتوا جاء آخرون فقالوا : ليت شعري ما هذه الصور التي كان يعبدها آباؤنا ، فجاءهم الشيطان فقال : كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر فعبدوها فابتدئ عبادة الأوثان من ذلك الوقت ، وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة : « أنّ أمّ حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة تسمى مارية فيها تصاوير لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : إنّ أولئك كانوا إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ، ثم صوّروا فيه تلك الصورة ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة » « 1 » . وروي عن ابن عباس أنّ نوحا عليه السلام كان يحرس جسد آدم عليه السلام على جبل الهند فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره ، فقال لهم الشيطان : إنّ هؤلاء يفخرون عليكم ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم وإنما هو جسد وأنا أصوّر لكم مثله تطوفون به ، فصوّر لهم هذه الأصنام الخمسة وحملهم على عبادتها ، فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب ، وكان للعرب أصنام أخر ، فاللات كانت لقديد وإساف ونائلة ، وهبل كانت لأهل مكة ، وكان إساف حيال الحجر الأسود ، ونائلة حيال الركن اليماني ، وكان هبل في جوف الكعبة . وقال الماوردي : أما ودّ فهو أوّل صنم معبود فسمي ودّا لودّهم له وكان بعد قوم نوح لكليب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء ، وأمّا سواع فكان لهذيل بساحل البحر في قولهم . وقال الرازي : وسواع لهمدان وأمّا يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ في قول قتادة . وقال المهدوي : لمراد ثم لغطفان . وقال أبو عثمان الهندي : رأيت يغوث وكان من رصاص ، وكانوا يحملونه على جمل أجرد ويسيرونه معهم ولا ينيخونه حتى يبرك بنفسه فإذا برك نزلوا ، وقالوا : قد رضي لكم المنزل ، وأمّا يعوق فكان لهمدان ، وقيل : لمراد ، وأمّا نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل . وقال الواقدي : كان ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر على صورة نسر من الطير . قال البقاعي : ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأنّ تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعا من معانيهم ، فكان ودّ للكامل في الرجولية ، وكان سواع امرأة كاملة في العبادة ، وكان يغوث شجاعا ، وكان يعوق سابقا قويا ، وكان نسر عظيما طويل العمر ا . ه . ولما ذكرهم مكرهم وما أظهروا من قولهم عطف عليه ما توقع السامع من أمرهم فقال تعالى :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 427 ، ومسلم في المساجد حديث 528 ، والنسائي في المساجد حديث 704 .