الخطيب الشربيني
428
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وجمع عزة جمع سلامة شذوذا . وقيل : كان المستهزؤون خمسة أرهط روي أنّ المشركين كانوا يجتمعون حول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يستمعون كلامه ويستهزؤون به ويكذبونه ويقولون : إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فندخلها قبلهم ، فردّ الله تعالى عليهم بقوله عز من قائل : أَ يَطْمَعُ أي : هؤلاء البعداء البغضاء ، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له . ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال تعالى : كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي : على انفراده أَنْ يُدْخَلَ أي : وهو كافر من غير إيمان يزكيه كما يدخل المسلم ، فيستوي المسئ والمحسن جَنَّةَ نَعِيمٍ أي : لا شيء فيها غير النعيم . وقوله تعالى : كَلَّا ردع لهم عن طمعهم ودخولهم الجنة ، أي : لا يكون ما طمعوا فيه أصلا ؛ لأنّ ذلك ثمن فارغ لا سبب له بما دل عليه التعبير بالطمع دون الرجاء . ثم علل ذلك بقوله تعالى : أَنَّا خَلَقْناهُ أي : بالقدرة التي لا يقدر أحد أن يقاومها مِمَّا يَعْلَمُونَ أي : أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة كما خلق سائر جنسهم ، فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة ، وإنما تستوجب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى . وقيل : كانوا يستهزؤون بفقراء المسلمين ويتكبرون عليهم فقال تعالى : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي : من القذر وهو منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ولذلك أبهم وأخفى إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فلا يليق بهم هذا التكبر ويدعون التقدم ويقولون : ندخل الجنة قبلهم . قال قتادة في هذه الآية : إنما خلقت يا ابن آدم من قذر ، فاتّق الله . وروي أنّ مطرّف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خز وجبة خز ، فقال له : يا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله تعالى ؟ فقال له : أتعرفني ؟ قال : نعم ، أوّلك نطفة مزرة وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته . فائدة : قال ابن عربي في « الفتوحات » : خلق الله الناس على أربعة أقسام : قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم عليه السلام ، وقسم من ذكر فقط وهو حوّاء ، وقسم من أنثى فقط وهو عيسى عليه السلام ، وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس . فَلا زيدت فيه لا أُقْسِمُ بِرَبِّ أي : سيد ومبدع ومدبر الْمَشارِقِ أي : التي تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة ، كل يوم في موضع منها على المنهاج الذي دبره والطريق والقانون الذي أتقنه وسخره ستة أشهر صاعدة وستة أشهر هابطة وَالْمَغارِبِ كذلك وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة ، فكان بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من المآرب ، فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك عادة مستمرة دالة على أنه تعالى قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده من غير كلفة ما . كما قال تعالى : إِنَّا أي : على ما لنا من العظيمة لَقادِرُونَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أي : تبديلا عظيما بما لنا من الجلالة عوضا عنهم خَيْراً مِنْهُمْ أي : بالخلق أو بتحويل الوصف فيكونون أشدّ بطشا في الدنيا وأكثر أموالا وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما وجاها وخدما ، فيكونون عندك على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير وكل ما يضيق به صدرك ،