الخطيب الشربيني

426

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهنّ . والحكايات عنهم في هذا كثيرة . وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ أي : يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجدّدونه كل وقت بِيَوْمِ الدِّينِ أي : الجزاء الذي ما مثله يوم وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه على النقير والقمطير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة ، فالذين يعملون لذلك اليوم هم العمال ، وأما المصدّقون بمجرّد الأقوال فلهم الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال . وَالَّذِينَ هُمْ أي : بجميع ضمائرهم وظواهرهم مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ أي : المحسن إليهم لا من عذاب غيره فإن المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه مُشْفِقُونَ أي : خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو في الدنيا أو فيهما ، فهم لذلك لا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه . إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ أي : الذي هم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على الانتقام ولو بقطع الإحسان غَيْرُ مَأْمُونٍ أي : لا ينبغي لأحد أن يأمنه بل يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة ؛ لأن الملك مالك وهو تام الملك ، له أن يفعل ما شاء ، ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل مترجحا بين الخوف والرجاء . وَالَّذِينَ هُمْ أي : ببواطنهم الغالبة على ظواهرهم لِفُرُوجِهِمْ أي : سواء أكانوا ذكورا أم إناثا حافِظُونَ أي : حفظا ثابتا دائما عن كل ما نهى الله تعالى عنه إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أي : من الحرائر بعقد النكاح ، وقدمهنّ لشرفهنّ وشرف الولد بهنّ ، ثم أتبعه قوله تعالى : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي : من السراري التي هي محل الحرث والنسل واللاتي هن أقل عقلا من الرجال ، ولهذا عبر بما التي هي في الأغلب لغير العقلاء ، وفي ذلك إشارة إلى اتساع النطاق في احتمالهن . فَإِنَّهُمْ أي : بسبب إقبالهم بالفروج عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك غَيْرُ مَلُومِينَ أي : في الاستمتاع بهن من لائم ما ، كما نبه عليه البناء للمفعول ، فهم يصحبونهن للتعفف وصون النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله تعالى ، واكتفى في مدحهم بنفي اللوم لإقباله عن تحصيل ما له من المرام . فَمَنِ ابْتَغى أي : طلب وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن إقبال عظيم من النفس واجتهاد في الطلب . وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح . وَراءَ ذلِكَ أي : شيئا من هذا خارجا عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى له ، والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح وقضاء اللذة وأحسنها وأجملها فَأُولئِكَ أي : الذين هم في الحضيض من الدناءة وغاية البعد عن مواطن الرحمة هُمُ أي : بضمائرهم وظواهرهم العادُونَ أي : المختصون بالخروج عن الحدّ المأذون فيه . وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ أي : من كل ما ائتمنهم الله تعالى عليه من حقه وحق غيره ، وقرأ ابن كثير بغير ألف بعد النون على التوحيد ، والباقون بالألف على الجمع وَعَهْدِهِمْ أي : ما كان من الأمانات بربط وتوثيق راعُونَ أي : حافظون لها معترفون بها على وجه نافع غير ضار . وَالَّذِينَ هُمْ أي : بغاية ما يكون من توجه القلوب بِشَهاداتِهِمْ التي شهدوا بها أو يستشهدون بها بطلب أو غيره ، وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط قيامهم بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها قائِمُونَ أي : يتحملونها ويؤدّونها على غاية التمام والحسن أداء من