الخطيب الشربيني

414

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

في قوله تعالى : بِما أَسْلَفْتُمْ سببية وما مصدرية أو اسمية ، أي : بما قدّمتم من الأعمال الصالحة فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أي : الماضية في الدنيا التي انقضت وذهبت واسترحتم من تعبها ، وعن مجاهد رضي الله عنه : أيام الصيام ، أي : كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله تعالى . وروي : يقول الله تعالى : يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم ، وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . ولما كانت العادة جارية بأن أهل العرض ينقسمون إلى مقبول ومردود وذكر سبحانه المقبول بإدنائه تشويقا إلى حاله ، وتغبيطا بعاقبته وحسن حاله أتبعه المردود تنفيرا عن أعماله بما ذكر من قبائح أحواله فقال تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ أي : صحيفة حسابه بِشِمالِهِ فَيَقُولُ أي : لما يرى من سوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها لما رأى من قبائحه التي قدمها يا لَيْتَنِي تمنيا للمحال لَمْ أُوتَ أي : من أي مؤت ما . كِتابِيَهْ أي : هذا الذي ذكرني خبائث أعمالي وعرفني جزاءها . وَلَمْ أي : ويا ليتني لم أَدْرِ ما حقيقة حِسابِيَهْ من ذكر العمل وذكر جزائه ، بل استمريت جاهلا لذلك كما كنت في الدنيا . ثم يتمنى الموت ويقول : يا لَيْتَها أي : الموتة الأولى وإن لم تكن مذكورة إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة كانَتِ الْقاضِيَةَ أي : القاطعة لحياتي بأن لا أبعث بعدها ، ولم ألق ما وصلت إليه . قال قتادة رضي اللّه عنه : يتمنى الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت ، وشر من الموت ما يطلب منه الموت ، قال الشاعر « 1 » : وشر من الموت الذي إن لقيته * تمنيت منه الموت والموت أعظم والمعنى : يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي . وقوله : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ يجوز أن يكون نفيا تأسفا على فوات ما كان يرجو من نفعه ، والمفعول على هذا التقدير محذوف للتعميم ويجوز أن يكون استفهام توبيخ لنفسه حيث سولت له ما أثر له كل سوء وكل محال ، أي : أيّ شيء أغنى ما كان لي من اليسار الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد اللّه تعالى . هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ أي : ملكي وتسلطي على الناس ، وبقيت فقيرا ذليلا . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن هذه الآية نزلت في الأسود بن عبد الأشد ، وعن فناخسرو الملقب بالعضد ، إنه لما قال « 2 » : عضد الدولة وابن ركنها * ملك الأملاك غلاب القدر لم يفلح بعده وجنّ ، فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ضلت عني حجتي ، ومعناه : بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا ، وذكر الضحاك أن الآية الأولى في أخي الأسود عبد اللّه بن عبد الأسد المخزومي . ولما كان كأنه قيل : هذا ما قال فما يقال له ؟ أجيب : بأنه يقال للزبانية على رؤوس الأشهاد خُذُوهُ أي : أيتها الزبانية الذين كان يستهزئ بهم عند سماع ذكرهم فَغُلُّوهُ أي : اجمعوا يديه

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 2 ) البيت لم أجده .