الخطيب الشربيني
410
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الْأَرْضُ [ الزمر : 68 ] . فكيف يقال لهم : إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ أجيب : من وجهين : الأول : إنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم يموتون ، والثاني : المراد الذين استثنوا في قوله تعالى : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] . وقيل : إن الناس إذا رأوا جهنم هالهم أمرها فيندّوا كما تندوا الإبل فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا الملائكة فيرجعوا من حيث جاؤوا . وقيل : على أرجائها ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السوق إليها . وفي أهل الجنة من التحية والكرامة ، وهذا كله يرجع إلى قول ابن جبير رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى : وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان : 25 ] . قال الزمخشري : فإن قلت ما الفرق بين قوله : وَالْمَلَكُ وبين أن يقال : والملائكة ؟ قلت : الملك أعمّ من الملائكة ألا ترى أنّ قولك : ما من ملك إلا وهو شاهد أعمّ من قولك : ما من ملائكة ا . ه . قال أبو حيان : ولا يظهر أن الملك أعم من الملائكة لأن المفرد المحلى بالألف واللام قصاراه أن يكون مرادا به الجمع المحلى ولذلك صح الاستثناء منه ، ثم قال : ولأن قوله : عَلى أَرْجائِها يدل على الجمع ، لأن الواحد لا يمكن أن يكون على أرجائها في وقت واحد بل في أوقات ، والمراد والله أعلم أن الملائكة على أرجائها لا أنه ملك واحد ينتقل على أرجائها في أوقات . ولما كان الملك يظهر في يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ أي : المحسن إليك بكل ما تريد لا سيما في ذلك اليوم بما يقع من رفعتك على سائر الخلق ، والضمير في قوله تعالى : فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ أي : في يوم وقعت الواقعة يجوز أن يعود على الملك لأنه بمعنى الجمع كما تقدم ، وأن يعود على الحاملين في قوله تعالى : ثَمانِيَةٌ ، وقيل : يعود على جميع العالم ، أي : إن الملائكة تحمل عرش الله تعالى فوق العالم كله . واختلف في هذه الثمانية فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى ، وقال ابن زيد : هم ثمانية أملاك ، وعن الحسن رضي الله عنه : الله أعلم كم هم أثمانية أم ثمانية آلاف أم ثمانية صفوف ، وفي الحديث أنّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدّهم الله تعالى بأربعة أخرى فكانوا ثمانية على صورة الأوعال » « 1 » . وفي رواية : ثمانية أوعال من أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء ، وفي حديث آخر : « لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس » « 2 » . فإن قيل : إذا لم يكن فيهم صورة الوعل فكيف سموا أوعالا ؟ أجيب : بأن وجه الثور إذا كانت له قرون أشبه الوعل . وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش : إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام » « 3 » . أخرجه أبو داود بإسناد
--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 266 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 3 ) أخرجه أبو داود في السنة حديث 4727 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 3 / 158 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 80 ، 8 / 135 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 15154 ، 15155 ، 15157 ، -