الخطيب الشربيني

399

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقال أبو عبيدة : إذا اشتد الأمر أو الحرب قيل : كشف الأمر عن ساقه ، والأصل فيه : أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه ، فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة ، وقال القرطبي : وأما ما روي أن الله تعالى يكشف عن ساقه ، فإنه تعالى متعال عن الأعضاء والأبعاض وأن ينكشف ويتغطى ، ومعناه : أن يكشف عن العظيم من أمره . وقيل : يكشف عن نوره عز وجل ، وروى أبو موسى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : عَنْ ساقٍ قال : « يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا » « 1 » وروى أبو بردة عن أبي موسى قال : حدثني أبو موسى قال : « سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم : ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون : إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره قال : أو تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم فيقال : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون الله تعالى فيخرون له سجدا ، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ » « 2 » . وَيُدْعَوْنَ أي : من داعي الملك الديان إِلَى السُّجُودِ توبيخا على تركه الآن وتنديما وتعنيفا لا تعبدا وتكليفا ، فيريدونه ليفدوا أنفسهم مما يرون من المخاوف فَلا أي : فتسبب عن ذلك أنهم لا يَسْتَطِيعُونَ لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع شدة معالجتهم لأنفسهم فيقول الله تعالى أي : للساجدين : عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى في النار ، قال أبو بردة : فحدثت هذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال لي : والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث ، فحلف له ثلاثة أيمان فقال : ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث ، وأما غير الساجدين فعن ابن مسعود تعقم أصلابهم ، أي : ترد عظامها بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض ، وفي الحديث وتبقى أصلابهم طبقا واحدا ، أي : فقارة واحدة . وقوله تعالى : خاشِعَةً حال من مرفوع يدعون وقوله تعالى : أَبْصارُهُمْ فاعل به ونسب الخشوع للأبصار ، لأنّ ما في القلب يعرف في العين وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم من السجود ووجوههم أضوأ من الشمس ، ووجوه الكافرين والمنافقين سود مظلمة . تَرْهَقُهُمْ أي : تغشاهم ذِلَّةٌ أي : عظيمة لأنهم استعملوا الأعضاء التي أعطاهموها الله سبحانه ليتقرّبوا بها إليه في دار العمل في غير طاعته وَقَدْ أي : والحال أنهم قد كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أي : في الدنيا من كل داع يدعو إلينا ، وقال إبراهيم التيمي : أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون . وقوله تعالى : وَهُمْ سالِمُونَ أي : معافون أصحاء ، حال من مرفوع يدعون الثانية . وقال سعيد بن جبير : كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجبيبون ، وقال كعب الأحبار : والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات . ولما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف بما عنده وفي قدرته فقال تعالى لنبيه

--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 249 ، بلفظ : « يكشف عن قدر عظيم يخرون له سجدا » . ( 2 ) انظر القرطبي في تفسيره 18 / 249 .