الخطيب الشربيني
391
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
رواية : « كل جواظ زنيم متكبر » « 1 » . الجواظ : الجموع المنوع ، وقيل : الكثير اللحم المختال في مشيته ، وقيل : القصير البطين ، وقال عكرمة : هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم ، وكان الوليد دعيا في قريش ، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده قال الشاعر فيه « 2 » : زنيم ليس يعرف من أبوه * بغي الأمّ ذو حسب لئيم قيل : بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية ، وهذا لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد كما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولده ولا ولد ولده » « 3 » . وقال عبد الله بن عمر : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة في صور القردة والخنازير » « 4 » . ولعل المراد به الدخول مع السابقين ، وإلا فمن مات مسلما دخل الجنة ، وقالت ميمونة : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشى فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذابه » « 5 » . وقال عكرمة : إذا كثر ولد الزنا قحط المطر . قال القرطبي : ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يطعم أهل منى حيسا ثلاثة أيام ، وينادي ألا لا يوقدنّ أحد تحت برمة ألا لا يزجين أحد بكراع ، ألا من أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة ، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفا وأكثر ، ولا يعطي المسكين درهما واحدا وقيل : مناع للخير ، وفيه نزل وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ فصلت : 6 - 7 ] . ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا فانيا وظلا متقلصا زائلا لا يفتخر به ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه الأوصاف ، فإذا كان ذلك أكبر همه ومبلغ علمه أثمر له الترفع على الحقوق والتكبر على العباد ، قال الله تعالى : أَنْ أي : لأجل أن كانَ أي : هذا الموصوف ذا مالٍ أي : مذكور بالكثرة وَبَنِينَ أنعمنا عليه بهما ، فصار يطاع لأجلهما ، فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما . إِذا تُتْلى أي : تذكر على سبيل المتابعة عَلَيْهِ ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له آياتُنا أي : العلامات الدالة دلالة هي في غاية الظهور على الملك الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة قالَ أي : مفاجأة من غير تأمل ولا توقف عوضا عن شكرنا أَساطِيرُ جمع سطور جمع سطر الْأَوَّلِينَ أي : أشياء سطروها ودونوها وفرغوا منها ، فحمله دنيء طبعه على تكثره بالمال ، فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن سماعه ، فجعل الكفر موضع الشكر ، ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من سمعه ، فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر ، فكان هذا دليلا على جميع تلك الصفات السابقة ، مع التعليل بالاستناد إلى ما هو عند العاقل أو هي من بيت العنكبوت ، والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة . وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة بهمزتين مفتوحتين وابن عامر يسهل الثانية ، وشعبة وحمزة
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2853 . ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 3 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 13095 ، 43907 ، 43997 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2 / 308 ، والبخاري في التاريخ الكبير 2 / 257 . ( 4 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 234 ، والعقيلي في الضعفاء 2 / 75 ، والذهبي في ميزان الاعتدال 3 / 156 . ( 5 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 333 .