الخطيب الشربيني
389
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بحسبك زيد ، وإلى هذا ذهب قتادة ، قال ابن عادل : إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في حسبك فقط . الثاني : أن الباء بمعنى في فهي ظرفية كقولك : زيد بالبصرة ، أي : فيها ، والمعنى : في أي فرقة وطائفة منكم ، المفتون أي : المجنون أفي فرقة الإسلام ، أم في فرقة الكفر ؟ وإليه ذهب مجاهد والفراء . الثالث : أنه على حذف مضاف ، أي : بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وإليه ذهب الأخفش وتكون الباء سببية . الرابع : أنّ المفتون مصدر جاء على مفعول كالمقتول والميسور ، والتقدير : بأيكم الفتنة ، وقيل : المفتون المعذب من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته قال تعالى : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] ، أي : يعذبون ، وقيل : الشيطان لأنه مفتون في دينه وكانوا يقولون : إنه به شيطان وعنوا بالمجنون هذا ، فقال تعالى : سيعلمون غدا بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل . فائدة : بِأَيِّكُمُ رسمت ههنا بياءين . إِنَّ رَبَّكَ أي : الذي رباك أحسن تربية وفضلك على سائر الخلائق هُوَ أي : وحده أَعْلَمُ أي : من كل أحد بِمَنْ ضَلَّ أي : حاد عَنْ سَبِيلِهِ أي : دينه وسلك غير سبيل القصد وأخطأ موضع الرشد وَهُوَ أي : وحده أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي : الثابتين على الهدى ، وهم أولوا الأحلام والنهى ، أي : لذو علم بمعنى عالم . تنبيه : قوله تعالى : هُوَ أَعْلَمُ وَهُوَ مَكْظُومٌ وَهُوَ مَذْمُومٌ قرأه قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بضمها وقوله تعالى : فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ أي : العريقين في التكذيب وهم مشركو مكة ، فإنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم ، ينتج التصميم على معاداتهم . وَدُّوا أي : تمنوا وأحبوا محبة واسعة متجاوزة للحدّ قديما مع الاستمرار على ذلك لَوْ مصدرية تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال الضحاك : لو تكفر فيكفرون . وقال الكلبي : لو تلين لهم فيلينون لك . وقال الحسن : لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم . وقال زيد بن أسلم : لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون . وقال ابن قتيبة : أرادوا أن يعبد آلهتهم مدّة ويعبدون الله مدة . وقال ابن العربي : ذكر المفسرون في ذلك نحو عشرة أقوال كلها دعاوى على اللغة ، والمعنى وأمثلها : ودّوا لو تكذب فيكذبون ، ودّوا لو تكفر فيكفرون . وقال القرطبي : كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى . تنبيه : في رفع فيدهنون وجهان : أحدهما : أنه عطف على تدهن فيكون داخلا في حيّز لو ، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : فهم يدهنون . وقال الزمخشري : فإن قلت لم رفع فيدهنون ، ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب التمني ، قلت : قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف ، أي : فهم يدهنون ، كقوله تعالى : فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً [ الجن : 13 ] على معنى : ودّوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ أو ودّوا ادهانك ، فهم الآن يدهنون لطمعهم في ادهانك . واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ ، أي : كثير الحلف بالباطل ،