الخطيب الشربيني
379
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال الرازي في « اللوامع » : واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه ، فِي عُتُوٍّ أي : مظروفين لعناد وتكبر عن الحق وخروج إلى فاحش الفساد وَنُفُورٍ أي : تباعد عن الحق ، واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم مع أنه لا قوة لأحد منهم في جلب سارّ ولا دفع ضارّ والداعي إلى ذلك الشهوة والغضب . أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا أي : واقعا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا أي : معتدلا عَلى صِراطٍ أي : طريق مُسْتَقِيمٍ وخبر من الثانية محذوف دل عليه خبر الأولى ، أي : أهدى ، والمثل في المؤمن والكافر ، أي : أيهما أهدى ، وقيل : المراد بالمكب الأعمى ، فإنه يتعسف فينكب وبالسوي البصير . وقيل : المكب هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ، ومن يمشي سويا : الذي يحشر على قدميه إلى الجنة ، وقال ابن عباس والكلبي رضي الله عنهم : عنى بالذي يمشي مكبا على وجهه أبا جهل ، وبالذي يمشي سويا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : أبو بكر ، وقيل : حمزة ، وقيل : عمار بن ياسر ، قال عكرمة : وقيل : عامّ في الكافر والمؤمن ، أي : أن الكافر لا يدري أعلى حق هو أم على باطل ، أي : أهذا الكافر أهدى أم المسلم الذي يمشي سويا معتدلا يبصر الطريق وهو على صراط مستقيم وهو الإسلام ، وقرأ قنبل بالسين وقرأ خلف بالإشمام ، أي : بين الصاد والزاي والباقون بالصاد الخالصة . قُلْ أي : يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم مذكرا لهم بما رفع عنهم الملك من المفسدات وجمع لهم من المصلحات ليرجعوا إليه ، ولا يعولوا في حال من أحوالهم إلا عليه هُوَ أي : الذي شرفكم بهذا الذكر وبين لكم هذا البيان الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أي : أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في الأطوار المختلفة في الرحم ، ويسر لكم بعد الخروج اللبن حيث كانت المعدة ضعيفة عن أكثف منه وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ أي : لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم ، ووحده لقلة التفاوت فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها وَالْأَبْصارَ لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا عما يرديكم وَالْأَفْئِدَةَ أي : القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك لما لا يدركه بقية الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم ، وجمعهما لكثرة التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفئدة . قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي : باستعمالها فيما خلقت لأجله ، وما مزيدة والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جدا على هذه النعم ، وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأعلاهم في العرفان . قُلْ هُوَ أي : وحده الَّذِي ذَرَأَكُمْ أي : خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم بعدما كنتم كالذر أطفالا ضعفاء فِي الْأَرْضِ التي تقدم أنه ذللها لكم ورزقكم منها النبات وغيره وَإِلَيْهِ أي : وحده بعد موتكم تُحْشَرُونَ شيئا فشيئا إلى البرزخ ودفعة واحدة يوم البعث للحساب فيجازى كلا بعمله . وَيَقُولُونَ أي : يجددون هذا القول تجديدا مستمرا استهزاء وتكذيبا مَتى هذَا وزادوا في الاستهزاء بقولهم الْوَعْدُ أي : يوم القيامة والعذاب الذي توعدوننا به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي : في أنه لا بدّ لنا منه وأنكم مقربون عند الله ، فلو كان لهم ثبات الصبر لما كانوا طاشوا هذا الطيش بإبراز هذا القول القبيح . ثم إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله عز وجل : قُلْ أي : يا أكرم الخلق لهؤلاء