الخطيب الشربيني
373
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الزبانية لهم فَوْجٌ أي : جماعة في غاية الإسراع ، والأفواج الجماعات في تفرقة ومنه قوله تعالى : فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] والمراد هنا بالفوج جماعة من الكفار سَأَلَهُمْ أي : ذلك الفوج خَزَنَتُها أي : النار وهم مالك وأعوانه سؤال توبيخ وتقريع أَ لَمْ يَأْتِكُمْ أي : في الدنيا نَذِيرٌ أي : رسول يخوفكم هذا اليوم حتى تحذروا . قال الزجاج : وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب . قالُوا بَلى قرأه حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش بالفتح وبين اللفظين ، والباقون بالفتح والوقف عليها كما في الوصل قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ أي : محذر بليغ التحذير . تنبيه : في ذلك دليل على جواز الجمع بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها إذ لو قالوا : بلى لفهم المعنى ، ولكنهم أظهروه تحسرا وزيادة في نقمتهم على تفريطهم في قبول قول النذير وليعطفوا عليه قولهم فَكَذَّبْنا أي : فتسبب عن مجيئه أنا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير وَقُلْنا أي : زيادة في التكذيب ما نَزَّلَ اللَّهُ أي : الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم مِنْ شَيْءٍ لا وحيا ولا غيره وما كفانا هذا الفجور حتى قلنا مؤكدين : إِنْ أي : ما أَنْتُمْ أي : أيها النذر المذكورون في نذير ، المراد به الجنس إِلَّا فِي ضَلالٍ أي : بعد عن الطريق كَبِيرٍ فبالغنا في التكذيب والسفه بالاستجهال والاستخفاف . وقيل : قوله تعالى : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ من كلام الملائكة للكفار حين أخبروا بالتكذيب . وَقالُوا أي : الكفار زيادة في توبيخ أنفسهم لَوْ كُنَّا أي : بما لنا من الغريزة نَسْمَعُ أي : كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات أَوْ نَعْقِلُ أي : بما أدته إلينا حاسة السمع فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين ما كُنَّا أي : كونا دائما فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ أي : في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الإيقاد . تنبيه : في الآية أعظم فضيلة للعقل ، روي عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ » « 1 » الآية . فَاعْتَرَفُوا أي : بالغوا في الاعتراف حيث لا ينفعهم الاعتراف بِذَنْبِهِمْ أي : في دار الجزاء كما بالغوا في التكذيب في دار العمل ، والذنب لم يجمع لأنه في الأصل مصدر والمراد به تكذيب الرسل فَسُحْقاً أي : فبعدا لهم من رحمة الله تعالى وهو دعاء عليهم مستجاب لِأَصْحابِ السَّعِيرِ أي : الذين قضت عليهم أعمالهم بملازمتها ، وقال سعيد بن جبير وأبو صالح : هو واد في جهنم يقال : له السحق ، وقرأ الكسائي بضم الحاء والباقون بسكونها . ولما ذكر أصحاب السعير أتبعهم ذكر أضدادهم بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ أي : يخافون رَبَّهُمْ أي : المحسن إليهم خوفا أرق قلوبهم وأرق أعينهم بحيث لا يقر لهم قرار من توقعهم العقوبة كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] . بِالْغَيْبِ أي : حال كونهم غائبين عن عذابه سبحانه ، أو وعيده غائبا عنهم أو وهم غائبون عن أعين الناس فهم مع الناس يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتتكلم بسيوف الهيبة فيتركون
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 456 ، والسيوطي في الحاوي للفتاوى 2 / 95 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 28924 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 306 .