الخطيب الشربيني

360

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعكم معهم في الجنة » « 1 » وقيل : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله ، فإن لم تقم رش على وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها ، فإن لم يقم رشت على وجهه من الماء » « 2 » وقال بعض العلماء : لما قال قُوا أَنْفُسَكُمْ دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه ، كما دخلوا في قوله تعال : وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [ النور : 61 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : « إن أحل ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه » « 3 » فلم يفرد بالذكر أفراد سائر القرابات فيعلمه الحلال والحرام . وقال عليه الصلاة والسلام : « حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ، ويعلمه الكتابة ، ويزوجه إذا بلغ » « 4 » . ثم بين تعالى وصف تلك النار بقوله عز وجل : وَقُودُهَا أي : الذي توقد به النَّاسُ أي : الكفار وَالْحِجارَةُ كأصنامهم منها ، وعن ابن عباس أنها حجارة الكبريت ، وهي أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها ، والمعنى أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه عَلَيْها مَلائِكَةٌ خزنتها عدتهم تسعة عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المدثر غِلاظٌ أي : غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب ، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني أدم أكل الطعام والشراب شِدادٌ أي : شداد الأبدان ، وقيل : غلاظ الأقوال شداد الأفعال يدفع واحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار ، لم يخلق الله فيهم الرحمة ، وقيل : في أخذهم أهل النار شداد عليهم ، يقال : فلان شديد على فلان ، أي : قوي عليه يعذبه بأنواع العذاب . وقيل : غلاظ أجسامهم ضخمة شداد ، أي : الأقوياء . قال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وقال صلى اللّه عليه وسلم في خزنة جهنم : « ما بين منكبي كل واحد منهم كما بين المشرق والمغرب » « 5 » لا يَعْصُونَ اللَّهَ أي : الملك الأعلى في وقت من الأوقات ، وقوله تعالى : ما أَمَرَهُمْ بدل من الجلالة أي : لا يعصون أمر الله ، وقوله تعالى : وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ تأكيد ؛ هذا ما جرى عليه الجلال المحلي . وقال الزمخشري : فإن قلت : أليست الجملتان في معنى واحد ؟ قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ، ولا يتوانون فيه . وقيل : لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل ، وصدر بهذا البيضاوي . فإن قيل : إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعال : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي

--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1 / 300 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 1308 ، والنسائي في قيام الليل حديث 1609 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1336 . ( 3 ) أخرجه النسائي في البيوع حديث 4452 ، وابن ماجة في التجارات حديث 2137 . ( 4 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 / 317 ، 318 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 45191 ، 45192 ، 45193 ، والقرطبي في تفسيره 18 / 195 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 184 . ( 5 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 195 .