الخطيب الشربيني

357

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى ، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة : يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا ، فقال : الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر تسع وعشرون ليلة قالت عائشة : ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترته ، ثم خيرهن فقلن مثلها ، وفي رواية أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه ، قالت : فبدأ بي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك ، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، قالت : ثم قال : إن الله تعالى قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ [ الأحزاب : 28 ] إلى تمام الآيتين فقلت : أوفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة » « 1 » وفي رواية أن عائشة قالت له : لا تخبر نساءك أني اخترتك ، فقال لها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله أرسلني مبلغا » « 2 » وفي رواية قال : دخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول ، ونزلت هذه الآية عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [ التحريم : 5 ] وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [ التحريم : 4 ] » الآية . وفي رواية « أنه استأذن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له ، وأنه قام على باب المسجد ونادى بأعلى صوته لم يطلق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نساءه » . شرح بعض ألفاظ هذا الحديث : قوله : فعدلت معه أي : فملت معه ، بالإداوة أي : الركوة ، والعوالي جمع عالية ، وهي أماكن بأعلى أرض المدينة . وقوله : لا يغرنك إن كانت جارتك يريد بها الضرة وهي عائشة ، وأوسم منك أي : أكثر حسنا ، وقوله : فكنا نتناوب النزول : التناوب هو ما يفعله الإنسان مرة ، ويفعله آخر بعده ، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة . وقوله : فإذا هو متكئ على رمال حصير : يقال : رملت الحصير إذا ظفرته ونسجته ، والمراد أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير . وقوله : ما رأيت فيه ما يرد البصر إلا أهبة ثلاث : الأهبة والأهب جمع إهاب ، وهو الجلد . وقوله : من شدة موجدته : الموجدة الغضب . وقرأ : وَإِنْ تَظاهَرا الكوفيون بتخفيف الظاء ، والباقون بتشديدها أي : تتعاونا عَلَيْهِ أي : النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يكرهه فَإِنَّ اللَّهَ الملك الأعظم الذي لا كفء له ، وقوله تعالى : هُوَ يجوز أن يكون فصلا ، وقوله : مَوْلاهُ الخبر ، وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره ، والجملة خبر إن ، والمعنى فإن الله وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما . وقوله تعالى : وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه ، ويجوز أن يكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبر الجميع فتختص الولاية بالله . واختلف في صالح المؤمنين ، فقال عكرمة : هو أبو بكر وعمر ، وقال المسيب بن شريك :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المظالم حديث 2468 ، ومسلم في الطلاق حديث 1479 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3318 ، والنسائي في الصيام حديث 2132 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الطلاق حديث 1475 .