الخطيب الشربيني

355

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقوله تعالى : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ أي : الملك الأعظم شرط ، وفي جوابه وجهان : أحدهما : قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما والمعنى : أن تتوبا فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالفة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في حب ما يحب وكراهة ما يكره . وصغت : مالت وزاغت عن الحق ، قال القرطبي : وليس قوله : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما جواب الشرط لأن هذا الصغو كان سابقا فجزاء الشرط محذوف للعلم به أي : أن تتوبا كان خيرا لكما إذ قد صغت قلوبكما . الثاني : أن الجواب محذوف تقديره : فذلك واجب عليكما ، أو فتاب الله عليكما ، قاله أبو البقاء . ودل على المحذوف فَقَدْ صَغَتْ لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب . قال بعضهم : وكأنه زعم أن ميل القلب ذنب ، وكيف يحسن أن يكون جوابا وقد غفل عن المعنى المصحح لكونه جوابا . تنبيه : قوله تعالى : قُلُوبُكُما من أفصح الكلام حيث أوقع الجمع موقع المثنى استثقالا لمجيء تثنيتين لو قيل : قلباكما ، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما لأنه لا يشكل ، والأحسن في هذا الباب الجمع ثم الإفراد ثم التثنية كقوله « 1 » : فتخالسا نفسيهما بنوافذ ال * غيظ الذي من شأنه لم يرفع وقال ابن عصفور : لا يجوز الإفراد إلا في ضرورة ، كقوله « 2 » : حمامة بطن الواديين ترنمي * سقاك من الغر الغوادى مطيرها وتبعه أبو حيان ، وغلط ابن مالك في كونه جعله أحسن من التثنية . قال ابن عادل : وليس بغلط لكراهة توالي تثنيتين مع أمن اللبس ، وقوله تعالى إِنْ تَتُوبا فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، والمراد بهذا الخطاب إما المؤمنتان بنتا الشيخين الكريمين عائشة وحفصة حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فإنهما كرها ما أحبه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من إحباب جاريته وإحباب العسل ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يحب العسل والنساء . وقال ابن زيد : مالت قلوبكما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده ، فسرهما ما كرهه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : قد مالت قلوبكما إلى التوبة . روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : « مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه ، فلما رجع وكان ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت حتى فرغ ، ثم سرت معه بإداوة ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ ، فلما رجع قلت : يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى اللّه عليه وسلم ،

--> ( 1 ) يروى البيت بلفظ : فتخالسا نفسيهما بنوافذ * كنوافذ العبط التي لا ترقع والبيت من الكامل ، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في الدرر 1 / 158 ، وشرح اختيارات المفضل ص 1726 ، وشرح أشعار الهذليين 1 / 40 ، ولسان العرب ( خلس ) ، ( عبط ) ، وبلا نسبة في همع الهوامع 1 / 51 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو للشماخ في ملحق ديوانه ص 438 ، 440 ، والمقاصد النحوية 4 / 86 ، وللمجنون في ديوانه ص 113 ، ولتوبة بن الحمير في الأغاني 11 / 198 ، والدرر 1 / 154 ، والشعر والشعراء 1 / 453 ، وبلا نسبة في المقرب 2 / 129 .