الخطيب الشربيني

353

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فإن قيل : قوله تعالى : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ يوهم أن الخطاب بطريق العتاب ، وخطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم ؟ أجيب : بأنه ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن على ما ينبغي . فإن قيل : تحريم ما أحل الله غير ممكن ، فكيف قال ( لما تحرم ما أحل الله لك ) أجيب : بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراما بعدما أحله الله تعالى ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم امتنع من الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالا ، فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحل الله فقد كفر ، فكيف يضاف إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تَبْتَغِي أي : تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك مَرْضاتَ أَزْواجِكَ أي : الأحوال والأمور والمواضع التي يرضين بها ، وهن أولى بأن يبتغين رضاك ، وكذا جميع الخلق لتتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد وَاللَّهُ أي : الملك الأعلى غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم ، فقد غفر لك هذا التحريم . ثم علل وبين ذلك بقوله تعالى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ أي : قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه ، وعبر بالفرض حثا على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ، ولا يخل بحرمة اسم الله تعالى لأن أهل الهمم العوالي لا يجوزون النقلة من عزيمة إلى رخصة ، بل من رخصة إلى عزيمة أو عزيمة إلى مثلها . ولما كان التخفيف على أمته تعظيما له صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى : لَكُمْ أيتها الأمة التي أنت رأسها تَحِلَّةَ أي : تحليل أَيْمانِكُمْ بالكفارة المذكورة في سورة المائدة ، وقيل : قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك : حلل فلان في يمينه إذا استثنى بمعنى استثن في يمينك إذا أطلقتها بأن تقول : إن شاء الله متصلا بحلفك ، وتنويه قبل الفراغ منه . واختلف أهل العلم في لفظ التحريم ، فقال قوم : هو ليس بيمين ، فإن قال لزوجته : أنت حرام أو حرّمتك فإن نوى به طلاقا فهو طلاق ، وإن نوى به ظهارا فهو ظهار ، وإن نوى تحريم ذاتها وأطلق فعليه كفارة يمين وإن قال لطعام : حرمته على نفسي فلا شيء عليه ، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه ، وإليه ذهب الشافعي . وروى الدارقطني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما ، فقال : كذبت ليست عليك بحرام وتلا عليه هذه الآية « 1 » . وذهب جماعة إلى أنه يمين فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب الكفارة ما لم يقربها ، كما لو حلف لا يأكله فلا كفارة عليه ما لم يأكله ، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة ، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة . وعند أبي حنيفة إن نوى الطلاق بالحرام كان بائنا ، وإن قال : كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو ، وإلا فعلى ما نوى ، نقله الزمخشري . وعن عمر : إذا نوى الطلاق فرجعي ، وعن علي : ثلاث ، وعن زيد واحدة بائنة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها ، وقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة . قال مقاتل : فأعتق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة . قال

--> ( 1 ) انظر سنن الدارقطني 4 / 43 .