الخطيب الشربيني

347

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والخسف والمسخ ، وسائر المصائب ، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة . وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبه بضم الكاف ، والباقون بسكونها . فَذاقَتْ أي : فتسبب عن ذلك أنها ذاقت وَبالَ أي : عقوبة أَمْرِها أي : كفرها . وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً أي : في الدنيا بالأسر وضرب الجزية ، وغير ذلك ، وفي الآخرة بعذاب النار ، فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد ، ومن أضاع حق الله تعالى لا يطاع في حظ نفسه ، ومن احترف بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على عقوبته . ثم استأنف الجواب عمن يقول هل لها غير هذا في غير هذه الدار بقوله تعالى : أَعَدَّ اللَّهُ أي : الملك الأعظم لَهُمْ بعد الموت وبعد البعث عَذاباً شَدِيداً وفي ذلك تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها فَاتَّقُوا اللَّهَ أي : الذي له الأمر كله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : يا أصحاب العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن ، وقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا منصوب بإضمار أعني بيانا للمنادى في قوله تعالى : يا أُولِي الْأَلْبابِ أو يكون عطف بيان للمنادى أو نعتا له ، أي : خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا الإيمان حقيقة قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ أي : الذي له صفات الكمال إِلَيْكُمْ ذِكْراً هو القرآن ، وفي نصب رَسُولًا أوجه : أحدها : قال الزجاج والفارسي : إنه منصوب بالمصدر المنون قبله ، لأنه ينحل لحرف مصدري وفعل ، كأنه قيل : أن ذكر رسولا ، ويكون ذكره الرسول قوله : محمد رسول الله ، والمصدر المنون عامل كقوله تعالى أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً [ البلد : 14 - 15 ] . الثاني : جعل نفس الذكر مبالغة فأبدل منه ، ويكون محمولا على المعنى كأنه قال : قد أظهر لكم ذكرا رسولا ، فيكون من باب بدل الشيء من الشيء ، وهو هو . الثالث : أنه بدل منه على حذف مضاف من الأول تقديره : أنزل ذا ذكر رسولا . الرابع : أنه بدل منه على حذف مضاف من الثاني أي : ذكرا ذكر رسول . الخامس : أنه منصوب بفعل مقدر ، أي : وأرسل رسولا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ هي دلائل الملك الأعظم الظاهرة جدا حال كونها مُبَيِّناتٍ أي : لا لبس فيها بوجه . واختلف الناس في رسولا هل هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو جبريل ؟ الأكثر على الأول واقتصر عليه الجلال المحلي ، واقتصر الزمخشري على الثاني ، وهو قول الكلبي . وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء بعد الموحدة ، والباقون بالفتح لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا أي : أقروا بالشهادتين وَعَمِلُوا تصديقا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من قلوبهم الصَّالِحاتِ أي : ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح ، أو ليخرج من علم أو قدر أنه مؤمن مِنَ الظُّلُماتِ أي : الضلالة إِلَى النُّورِ أي : الهدى . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي : يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه وَيَعْمَلْ على التجديد المستمر صالِحاً لله وفي الله فله دوام النعماء ، وهو معنى إدخاله الجنة كما قال تعالى : يُدْخِلْهُ أي : عاجلا مجازا بما يفتح الله له من لذات المعارف ويفتح له من الأنس ، وآجلا حقيقة جَنَّاتٍ أي : بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار وبين دوام ريها بقوله تعالى : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي : من تحت غرفها الْأَنْهارُ فهي في غاية الري بحيث أن ساكنها يجري في أي موضع أراد نهرا .