الخطيب الشربيني
345
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إن لها السكنى والنفقة . وعن الشعبي قال : لقيني الأسود بن يزيد فقال : يا شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس ، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة ، فقلت : لا أرجع عن شيء . حدثتني فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولأنه لو كان لها سكنى لما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم . وأجيب عن ذلك : بما روت عائشة أنها قالت : كانت فاطمة في مكان وحش فخيف على ناحيتها ، وقال سعيد بن المسيب : إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على إحمائها ، وقال قتادة وابن أبي ليلى : لا سكن إلا للرجعية لقوله تعالى : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] وقوله تعالى : أَسْكِنُوهُنَّ راجع لما قبله وهي المطلقة الرجعية فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أي : بعد انقضاء علقة النكاح فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي : على ذلك الإرضاع وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية ، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم تبن ، ويجوز عند الشافعي مطلقا وقوله تعالى : وَأْتَمِرُوا خطاب للأزواج والزوجات ، أي : ليأمر بعضكم بعضا في الإرضاع والأجر فيه وغير ذلك ، وليقبل بعضكم أمر بعض . وقال الكسائي : ائتمروا تشاوروا ، وتلا قوله تعالى : إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [ القصص : 20 ] وأنشد قول امرئ القيس « 1 » : ويعدو على المرء ما يأتمر وزادهم رغبة في ذلك بقوله تعالى : بَيْنَكُمْ أي : إن هذا الخير لا يعدوكم ، وأكد ذلك بقوله تعالى : بِمَعْرُوفٍ ونكره سبحانه تخفيفا على الأمة بالرضى بالمستطاع ، وهو يكون مع الأخلاق بالاتصاف ، ومع النفس بالخلاف وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي : طلب كل منكم ما يعسر على الآخر ، كأن طلبت المرأة الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجانا فَسَتُرْضِعُ لَهُ أي : الأب أُخْرى أي : مرضعة غير الأم ويغني الله تعالى عنها ، وليس له أن يكرهها على ذلك ، نعم إذا لم يقبل ثدي غيرها أو لم يوجد غيرها أجبرت على ذلك بالأجرة ، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك . واختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد ، فقال مالك : رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه حينئذ في ماله ، وقال أبو حنيفة : لا يجب على الأم بحال ، وقيل : يجب عليها بكل حال . ولو طلبت الأم أجرة المثل وهناك أجنبية ترضع بدون أجرة المثل ، أو متبرعة تخير الأب بينهما ولا يضيق على الأب بدفع الأجرة لأنه صلى اللّه عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم « 2 » . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي
--> ( 1 ) صدره : أحار بن عمرو كأني خمر والبيت من المتقارب ، وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 154 ، وخزانة الأدب 1 / 374 ، والدرر 5 / 179 ، ولسان العرب ( أمر ) ( خمر ) ، ( نفس ) ، وللنمر بن تولب في ملحق ديوانه ص 404 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 1 / 12 ، والمقتضب 4 / 234 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 23 ، والأدب باب 80 ، والحدود باب 10 ، ومسلم في الفضائل حديث 77 ، 78 ، وأبو داود في الأدب باب 4 ، والترمذي في المناقب باب 34 ، ومالك في حسن الخلق حديث -