الخطيب الشربيني

323

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

واسترعاء وحمده اعتداد بأنّ نعمة الله جرت على يده وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ أي : وحده الَّذِي خَلَقَكُمْ أي : أنشأكم على ما أنتم عليه فَمِنْكُمْ أي : فتسبب عن خلقه لكم وتقديره كافِرٌ أي : عريق في صفة الكفر وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي : راسخ في الإيمان في حكم الله تعالى في الأزل ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنّ الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ، ويعيدهم في القيامة مؤمنا وكافرا . وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « خطبنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عشية فذكر شيئا مما يكون فقال : تولد الناس على طبقات شتى ، يولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ، ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا ، ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا » « 1 » ، أي : وسكت عن القسم الآخر ، وهو أن يولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا اكتفاء بالمقابل ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « خلق الله تعالى فرعون في بطن أمّه كافرا ، وخلق يحيى بن زكريا عليهما السلام في بطن أمّه مؤمنا » « 2 » وفي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه : « وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » « 3 » وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ، وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس ، وهو من أهل الجنة » « 4 » قال القرطبي : قال علماؤنا : والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم فيجري ما علم وأراد وحكم ، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال ، وقد يريده إلى وقت معلوم ، وكذلك الكفر . وقيل : في الكلام محذوف ، تقديره : فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه ، قاله الحسن . وقال غيره : لا حذف لأنّ المقصود ذكر الطرفين ، وقيل : إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا ، والتقدير : هو الذي خلقكم ، ثم وصفهم فقال : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كقوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [ النور : 45 ] ثم قال تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [ النور : 45 ] الآية . قالوا : فإنه خلقهم والمشي فعلهم ، وهذا اختيار الحسين بن الفضل ، قال : لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله تعالى : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وسلم « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 5 » قال البغوي : وروينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الغلام

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الفتن حديث 2191 . ( 2 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 193 ، والطبراني في المعجم الكبير 10 / 276 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 490 ، 32436 . ( 3 ) أخرجه البخاري في القدر حديث 6594 ، ومسلم في القدر حديث 2643 ، وأبو داود في السنة حديث 4708 ، والترمذي في القدر حديث 2137 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 76 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 2898 ، ومسلم في الإيمان حديث 112 . ( 5 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1385 ، ومسلم في القدر حديث 2658 ، وأبو داود في السنة حديث 4714 ، والترمذي في القدر حديث 2138 .