الخطيب الشربيني

318

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد فنزل وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا الآية . ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات . ولما كان صلى اللّه عليه وسلم يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم ، وربما ندبه إلى ذلك بعض أقاربهم ، قال تعالى منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ الله لَهُمْ أي : سواء عليهم الاستغفار وعدمه لأنهم لا يلتفتون إليه ، ولا يعتدّون به لكفرهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ أي : الملك الأعظم لَهُمْ لرسوخهم في الكفر إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له كمال الصفات لا يَهْدِي الْقَوْمَ أي : الناس الذين لهم قوّة في أنفسهم على ما يريدونه الْفاسِقِينَ أي : لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق ، وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرّة بعد مرّة ، والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق ، والخروج عن مظنة الإصلاح . هُمُ أي خاصة بخالص بواطنهم الَّذِينَ يَقُولُونَ أي : أوجدوا هذا القول للأنصار ، ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير لا تُنْفِقُوا أي : أيها المخلصون في النصرة عَلى مَنْ أي : الذين عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أي : الملك المحيط بكل شيء ، وهم فقراء المهاجرين حَتَّى يَنْفَضُّوا أي : يتفرّقوا فيذهب كل أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك . قال البقاعي : وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله تعالى غيرهم للإنفاق ، أو أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار كثيرا ، أو كان بحيث لا ينفد ، أو أعطى كلا يسيرا من طعام على كيفية لا ينفد معها كتمر أبي هريرة ، وشعير عائشة ، وعكة أمّ أيمن وغير ذلك كما روي غير مرّة ، ولكن وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [ الزمر : 23 ] ولذلك عبر في الردّ عليهم بقوله تعالى : وَلِلَّهِ أي : قالوا ذلك واستمرّوا على تجديد قوله ، والحال أنّ الملك الذي لا أمر لغيره خَزائِنُ السَّماواتِ أي : كلها وَالْأَرْضِ كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدوره ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ، حتى مما في أيديهم لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يد غيره . ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم : إن كان محمد صادقا فنحن شرّ من البهائم بقوله تعالى : وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ أي : العريقين في وصف النفاق لا يَفْقَهُونَ أي : لا يتجدّد لهم فهم أصلا كالبهائم بل هم أضل ، لأنّ البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما في مكان طلبته مرة أخرى ، وهؤلاء رأوا غير مرّة ما أخرج الله تعالى من خوارق البركات على يد رسوله صلى اللّه عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك ، ودل على عدم نفعهم بقوله تعالى : يَقُولُونَ أي : يوجدون هذا القول ويجدّدونه مؤكدين لاستشعارهم بأنّ أكثر قومهم ينكره لَئِنْ رَجَعْنا أي : أيتها العصابة المنافقة إِلَى الْمَدِينَةِ أي : من غزاتنا هذه ، وهي غزوة بني المصطلق حيّ من هذيل خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له : المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ يعنون أنفسهم مِنْهَا أي : المدينة الْأَذَلَّ يعنون النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وهم كاذبون في هذا لكونهم تصوروا لشدة غباوتهم أنّ العزة لهم ، وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين وَلَهُ * أي :