الخطيب الشربيني
310
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
رمضان ، ومن الأيام الجمعة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ، ووقي فتنة القبر » « 1 » وفي الحديث « إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة ، وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم » « 2 » قال الزمخشري : وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج ، وقيل : أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة . وعن ابن مسعود : أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه ويقول : أراك رابع أربعة ، وما رابع أربعة بسعيد . وعن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أي : مثل غسلها - ثم راح في الساعة الأولى كان كمن قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة كأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر » « 3 » وروى النسائي « في الخامسة كالذي يهدي عصفورا ، وفي السادسة بيضة ، فمن جاء في أول ساعة منها ، ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل البدنة مثلا ، لكن بدنة الأول أكمل من بدنة الآخر ، وبدنة المتوسط متوسطة » « 4 » وهذا في حق غير الإمام أما هو فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة اتباعا للنبي صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه ، ويسن إكثار الدعاء يومها وليلتها ، أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة ، وهي ساعة خفية وأرجاها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة كما في خبر مسلم . قال النووي : وأما خبر : « يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيه ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر » « 5 » فيحتمل أن هذه الساعة منتقلة تكون يوما في وقت ، ويوما في آخر كما هو المختار في ليلة القدر . وأما ليلتها فبالقياس على يومها ، وقد قال الشافعي : بلغني أن الدعاء يستجاب في ليلة الجمعة ، ويسن إكثار الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم في يومها وليلتها لخبر : « أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا » « 6 » وإكثار قراءة سورة الكهف يومها وليلتها لخبر : « من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق » « 7 » وخبر : « من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين » « 8 » وفي هذا القدر كفاية . ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها بين لهم وقت المعاش بقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي : وقع الفراغ منها على أيّ وجه كان فَانْتَشِرُوا أي : فدبوا وتفرقوا مجتهدين فِي الْأَرْضِ أي : جميعها للتجارة والتصرف في حوائجكم إن شئتم
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 3 / 217 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 388 ، وأحمد في المسند 2 / 176 ، 220 بلفظ : « من مات يوم الجمعة ، وقي فتنة القبر » . ( 2 ) أخرجه بنحوه النسائي في الجمعة حديث 1385 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الجمعة حديث 881 ، ومسلم في الجمعة حديث 850 . ( 4 ) أخرجه النسائي في الجمعة حديث 1387 . ( 5 ) أخرجه النسائي في الجمعة حديث 1389 . ( 6 ) أخرجه ابن ماجة في الإقامة حديث 1637 . ( 7 ) أخرجه الدارمي في فضائل القرآن حديث 3407 . ( 8 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3 / 249 .